أوكرانيا والحريات

 كتب "مارتن ماليا" الأستاذ في جامعة بيركلي أن الاتحاد السوفياتي منذ نشأته لم يكن مشروعا جيدا وحمل في طياته الفشل المستقبلي. السبب الأساسي في رأيه هو أنه لم يحترم الحريات خاصة الاقتصادية والاعلامية، وبالتالي لم يستطع الاستفادة من الطاقات البشرية الداخلية الهائلة. لا أحد ينكر الانجازات العلمية الكبيرة التي حققها الاتحاد السوفياتي في الفضاء وعلى الأرض، لكنها جميعها لم ينعكس بحبوحة للشعوب المعنية فكانت ناقصة أو جانبية. الغنى الروسي في مصادر الطاقة معروف عالميا ولروسيا اليوم دور كبير في تحديد السياسات النفطية العالمية عبر مشاركتها في مجموعة opec+. تسعى عبر المجموعة الى ابقاء أسعار النفط في مستويات مناسبة للدول المصدرة دون أن يعيق ذلك نمو الدول المستهلكة. لكن تنويع الاقتصاد الروسي لم يحصل بعد، فيبقى النمو الاقتصادي في حدود 2% سنويا مع فائض كبير في ميزان الحساب الجاري. الاحتياطي النقدي هائل ويفوق 550 مليار دولار. مستوى البطالة في حدود 5% وهذا مقبول مقارنة بالدول الغربية، لكن الضمانات الاجتماعية غير متطورة كما هو حال دول أوروبا الشمالية. العالم مهتم جدا اليوم بأوكرانيا بعد الهجوم الروسي ومن الممكن أن تتغير طبيعة العلاقات الدولية المستقبلية. في أذار 1985 عندما تسلم غورباشوف الحكم في الاتحاد السوفياتي لم يعتقد أحد أن الحرب الباردة ستنتهي بسلام. لم يرد غوباشوف استعمال الجيش لاخضاع دول أوروبا الشرقية كما حصل في الماضي وبالتالي سرع التغيير الحتمي. هذا يؤشر الى بعد النظر والاحساس الكبير بتغير المزاج الشعبي سببه ربما الفشل الاقتصادي الذي عانى منه الاتحاد السوفياتي والمجموعة المرتبطة به. لكن بعد أربع سنوات، سقط حائط برلين وتغيرت الأنظمة وخلقت دول جديدة حرة وشكل ذلك عالم جديد مع أسس وقواعد جديدة ربما أكثر خطورة. لا شك أن العلاقات الجيدة بين الرئيسين ريغان وغورباشوف ساعدت كثيرا في انهاء الصراع بسلام. كما أن التعاون بين وزيري الخارجية شولتز وشيفارناتزي كان مثاليا وربما عكس ما يظهر اليوم بالنسبة للعلاقات بين الوزيرين الاميركي والروسي. (ترامب بوتين) و (بايدن بوتين) لا يمكن أن يكونا كما (ريغان غورباشوف) لأن الرؤية التاريخية البعيدة المدى غير موجودة. ريغان وغورباشوف هدفا الى صناعة المستقبل والسلام وتغيير ملامح الكرة الأرضية، وهذا التحدي غير متوافر اليوم. نوعية القيادات كما خطورة المواضيع مختلفة. الأوضاع في روسيا تغيرت مع بوتين، لكنها لم تستطع أن تنجح اقتصاديا وبقيت تعتمد على الغنى الأرضي في المواد الأولية. من الأسباب الظاهرة غياب الحريات السياسية والمنافسة الديموقراطية الجدية للحكم التي تمتد الى الدول المجاورة كبيلاروس والمجر. يظهر أن الرئيس بوتين يستمع لرأي الشعب قبل اتخاذ القرارات المهمة، كما يبدو انه يستفيد حاليا بشأن أوكرانيا من ضعف شعبية الرئيس بايدن التي تقيد حريته في المواجهة. المعارضة الداخلية لبايدن كبيرة من قبل الجمهوريين وهذا طبيعي، لكن من قبل بعض الديمقراطيين فهذا مستهجن.