تعتبر قمة مجموعة العشرين موعدا عالميا للاقتصادات الكبرى في العالم من أجل التشاور حول المستقبل الاقتصادي وتقسيم الحصص الربحية والأسواق الناشئة والواعدة بمخزون تنموي مهم، كما أنها فرصة للتقريب والتشبيك بين صناع القرار الاقتصادي في ظل مناخ اقتصادي متغير يسوده الشك والريبة حول مآل العلاقات الاقتصادية بين القوى الكبرى، مستقبل الاقتصادات الصاعدة، عولمة الأسواق، سرعة اتخاذ القرارات وأهمية الاقتصاد المعرفي والرقمي في القرن الحالي. تعبر قمة العشرين المقامة هذه السنة في الأرجنتين عن 80% من الاقتصاد العالمي، %75 من التجارة العالمية وثلثي شعوب العالم، وهو تجمع للقوى الاقتصادية بمختلف سياساتها إذ نجد الدول صاحبة الانفتاح الاقتصادي والأخرى المعتمدة على الحمائية وبين اقتصادات صناعية كبيرة وأخرى تعتمد كليا على الخدمات في ظل حرب تجارية أعلنتها الولايات المتحدة الأمريكية بقيادة دونالد ترامب على الصين والاتحاد الأوروبي كما أعلنت خروجها من منظمة التجارة الدولية ومن اتفاق المناخ بباريس وما يحمل في طياته من انعكاسات على الاقتصاد البيئي، ثم إعادة صياغة الاتفاقات الاقتصادية مع دول أمريكا الشمالية ككندا والمكسيك. وفي هذا الصدد، لابد من التوقف عند بعض الملاحظات الرئيسية لتحليل هذه الحرب التجارية، فهي تنحصر بين الولايات المتحدة والصين فقط، لأن الاتحاد الأوروبي طرف تابع وليس مؤسسا بحكم الارتباط الكبير لأوروبا بأمريكا اقتصاديا، فالولايات المتحدة هي أكبر مستثمر في أوروبا والمصالح بينهما جد متشابكة في قطاع المالية والأبناك، التكنولوجيا والصناعات الثقيلة، ناهيك على الارتباط عبر حلف شمال الأطلسي ولا تجد أوروبا بديلا اقتصاديا عن أمريكا. على ذات المنوال، تعتبر هذه الحرب في مرحلة تبادل إطلاق النار، حيث يهاجم كل طرف الآخر بإجراءات حمائية وعقابية. فقد اعتمد ترامب على ضرب المصالح الصينية عبر تشديد العقوبات على حلفائها الاقتصاديين كروسيا وإيران، كما ترد الصين بمنافستها القوية للجانب الأمريكي، فعلى مستوى جلب الاستثمارات الأجنبية نجد الولايات المتحدة في المرتبة الأولى عالميا بقيمة 342 مليار دولار سنة 2017 متبوعة بالصين بقيمة 208 مليارات دولار، وفيما يخص التجارة الدولية تستحوذ الولايات المتحدة الأمريكية على 17.3% متقاربة مع الصين صاحبة 16.4%، كما تعتبر الصين ثاني أكثر دولة في العالم في الانفاق العسكري بقيمة 228 مليار دولار سنة 2017 بعد الولايات المتحدة التي تنفق 610 مليارات دولار. وتتخوف الولايات المتحدة من التسارع الكبير للنمو الصيني، ففي الوقت الذي تحول الاقتصاد الأمريكي من 14718 مليار دولار كناتج داخلي خام سنة 2008 إلى 20413 مليار دولار سنة 2018، حقق الاتحاد الأوروبي 14181 مليار دولار سنة 2008 مقابل 14361 مليار دولار سنة 2018، في حين قفزت الصين من 4600 مليار دولار سنة 2008 إلى 14092 سنة 2018. علاوة على ذلك، تعد الصين أول مستثمر في افريفيا بما يفوق 180 مليار دولار أي حجم الاستثمارات الأمريكية، الفرنسية والبريطانية مجتمعة مع وجود أضخم مشروع تجاري وهو مشروع طريق الحرير الذي يمر من جل الدول الإفريقية. على صعيد آخر، تعد روسيا لاعبا سياسيا وعسكريا مهما لكن يبقى اقتصادها كعب أخيل إذا ما تمت مقارنته مع اقتصادات القوى الكبرى، فالاقتصاد الروسي لا يتعدى حجم اقتصاد دولة أوروبية واحدة كإسبانيا خاصة مع تزايد العقوبات الأمريكية والأوروبية عليه. وختاما، فاستمرار الحرب التجارية وتطورها قد يكون له عواقب كبيرة تؤثر على الأمن الغذائي، خلق فرص الشغل وعلى فعالية البرامج الأممية للتنمية التي تريد استثمار 100 ترليون دولار في العالم الثالث بحدود سنة 2030 مما سيوسع الفرق بين الدول الغنية والفقيرة.