البعد الاستراتيجي مجددا

تشير تسرييات إعلامية إلى أن روسيا بدأت في إمداد كوريا الشمالية ببعض المنتجات النفطية وتستشهد هذه التقارير بالانخفاض الذي شهدته أسعار البنزين بنحو 25 % والجازولين بحوالي 60 % وذلك خلال الشهر الماضي. ومع ان كوريا الشمالية تعرضت الى عقوبات من مجلس الأمن، الا هناك مجالا للدول لتصدر اليها المنتجات النفطية، وهي خطوة يرى البعض ان موسكو قامت بها لانها لا توافق على الاستراتيجية الامريكية القائمة على ممارسة أكبر ضغط ممكن على بيونج يانج وإجبارها على التخلي عن برنامجها النووي وان الحوار يمكن أن يشكل بديلا أفضل من المواجهة والعقوبات. وليست هذه هي المرة الاولى التي تستخدم فيها موسكو إمكانياتها النفطية لتسجيل نقاط سياسية. ولعل أبرز مثال له صلة أيضا بالولايات المتحدة علاقة روسيا المتنامية بفنزويلا، التي تعرضت بدورها إلى عقوبات أمريكية. فموسكو وعن طريق الشركة النفطية "روزنفط" التي تسيطر الحكومة على نصف أسهمها عملت على تقديم قروض الى كاراكاس بلغت 10 مليارات دولار، الامر الذي مكنها من الحصول في المقابل على 225 ألف برميل يوميا، أو ما يعادل 13 % من صادرات النفط الفنزويلي، كما حصلت على نسبة 49.9 % من أسهم شركة "سيتقو" العاملة في ميدان المواد المكررة وتنشط في السوق الامريكية، وهو ما أصاب المسؤولين الأمريكان بشيء من القلق. ونشاط "روزنفط" يلفت النظر بتوسعه وسعيه الى تطبيق تجربتها في فنزويلا بصورة أو أخرى. فللشركة أنشطة خاصة في المناطق المضطربة مثل العراق وسورية وإيران وغيرها من التي تعاني من متاعب أمنية أو سياسية و ا تطرق أبوابها الشركات الغربية والامريكية تحديدا لسبب أو آخر، الامر الذي يعزز من البعد السياسي لدور موسكو النفطي، حيث يعطيها حضورها هذا ثقلا سياسيا مقبولا مثلما هو الحال في وجودها في العراق وإقليم كردستان حيث لها استثمارات تجاوزت 4 مليارات دولار. فالنفط ورغم خضوعه إلى قوانين العرض والطلب الا انه ظل يتمتع بخاصية ما يطلق عليه انه سلعة استراتيجية. والوصف يعود الى أكثر من مائة عام عندما قرر ونستون تشرشل وزير البحرية البريطانية في العام 1911 التحول الى تشغيل السفن الحربية بالنفط بدلا من الفحم. القرار جاء في وقته تماما وساعد على تهيئة بريطانيا لكسب جولات في الحرب العالمية الاولى التي قيل بشأنها أن الحلفاء سبحوا الى النصر فوق موجات من النفط. وفي العام 1973 استخدم العرب سلاح النفط ابان الحرب مع اسرائيل، وبعدها بست سنوات انفجرت الثورة الايرانية لتؤكد على البعد السياسي لسلعة النفط. ومع الاضطرابات التي يشهدها العالم حاليا وتحديدا في الدول المنتجة خاصة تلك الموجودة في منطقة الشرق الاوسط، فإن عنصر انقطاع الإمدادات يبدو واردا مما يتطلب وضعه في الصورة.