معلوم أن الدعاوى التي ترفع أمام المحاكم تنقسم مبدئيا إلى نوعين، دعوى مدنية يطالب من خلالها فرد من المجتمع بحق شخصي يدعي الإجهاز عليه، ويلتمس تحقيق العدالة بشأنه استنادا إلى اعتبارات تخصه وحده، وعلاقات مالية واجتماعية وغيرها تجمعه بخصمه، ودعوى جنائية يكون من خلالها دور المحكمة هو تحقيق العدالة في نزاع مس بنظام المجتمع، وتطالب من خلاله النيابة العامة بحقوق الجماعة التي تم ارتكاب فعل جرمي في حقها، ولا تكون بهذا الصدد لديها مطالب خاصة بها، وعلاقة مباشرة تجمعها بالشخص موضوع الدعوى. لكن يحصل أن يتقاطع موضوع دعوى مدنية بدعوى جنائية، بحيث يكون الفعل موضوع المطالبة القضائية يتخذ طابعا جنائيا ومدنيا في نفس الآن، وذلك بأن تتعلق الدعويان بنفس السبب والموضوع والأطراف، وتكون النتيجة المؤدية لكليهما يخشى منها إصدار حكمين باتين متناقضين في موضوع واحد في هذه الحالة تكون القاعدة العامة المطبقة هي أن الحق العام الذي تنبني عليه الدعوى الجنائية أولى بالحماية، وأسبق في النظر فيه من الحق الخاص الذي ترتكز عليه الدعوى المدنية، وبالتالي يكون القاضي المعروض عليه نزاع مدني منظور في نفس الفترة الزمنية أمام المحكمة الجنائية ملزما برفع يده عن النزاع وعدم إصدار حكم بشأنه لغاية صدور حكم في الدعوى الجنائية إعمالا لقاعدة الجنائي يعقل المدني المنصوص عليها ضمن المادة 322 من قانون الإجراءات الجنائية كما يلي: "إذا رفعت الدعوى المدنية قبل رفع الدعوى الجنائية أو أثناء السير فيها يجب وقف الفصل فيها حتى يصدر حكم بات في الدعوى الجنائية". والعبرة من إقرار هذه القاعدة أن الأحكام التي تصدر بشأن الدعاوى الجنائية تكون ذات حجية قوية بشأن المطالبات المدنية، لأن الدعوى الجنائية تمر بمجموعة من المراحل التي تقوم على التحقيقات والتحريات الكافية التي على ضوئها تحيل النيابة العامة المتهم إلى المحاكمة، وبالتالي فإن القاضي الجنائي إذا أصدر حكما فإنه يكون مبنيا على الأدلة والحقائق التي تبينت معها بما لا يدع مجالا للشك حقيقة الأمر موضوع المطالبة، وعقب ذلك يكون الحكم في الشق المدني قد استند إلى تلك الحقائق المثبتة سابقا، بعكس الدعوى المدنية التي تستند إلى الوثائق والمستندات المعروضة على المحكمة، والتي قد يغيب عنها جزء من الحقيقة، على سبيل المثال إذا ادعى شخص تعرضه للاحتيال بشأن مبلغ من النقود ورفع دعوى للمطالبة باسترجاعه، وفي نفس الوقت قدم شكوى جنائية بالنصب، فإن المحكمة المدنية تكون ملزمة بوقف الفصل في الدعوى التي يطالب فيها باسترجاع المبلغ المالي، لغاية صدور حكم بات في الدعوى الجنائية المرفوعة من قبله بشأن جريمة النصب. وبقراءة المادة 322 من قانون الإجراءات الجنائية نجدها تتحدث عن "الدعوى الجنائية" وليس عن مجرد بلاغ جنائي أو شكوى، فالمشرع قصد من هذا المقتضى القانوني الدعوى التي تكون قد أحيلت من قبل النيابة العامة وتم إجراء تحريات وتحقيقات بشأن وقائعها وتمت إحالة المتهمين فيها إلى المحاكمة أمام القضاء، أما مجرد بلاغ فقد يحمل طابعا كيديا، أو قد لا تعطي النيابة العامة الوقائع المضمنة فيه تكييفا جنائيا وبالتالي يكون مصير البلاغ الحفظ أو الأمر بألا وجه لإقامة الدعوى، وبذلك ينتفي وجود دعوى جنائية قائمة أو محتملة، مما يكون معه وقف الفصل في الدعوى المدنية غير منتج.