«العقار يمرض ولا يموت»

تكلمنا في الحلقة الماضية عن مقولة «العقار يمرض ولا يموت» من زاوية «التسعير» وكيف يمكن للتسعير الكاذب وغير الأمين أن يصيب العقار في مقتل ويحوله من صفقة رابحة إلى مأساة ممتدة على مدى سنوات من الاستنزاف المالي للمشتري بلا مردود يذكر، بل في بعض الأحيان لا يغطي رأس ماله المدفوع إلا بعد عشرات السنين. وقد كان مخططا أن نناقش في هذه الحلقة كيفية تقييم العقار والتأكد من أن السعر المعروض يمثل السعر الحقيقي والمنطقي ولكني أجد نفسي مدفوعاً لمناقشة نقطة مهمة جداً، وردني الكثير من الطلبات من القراء الأفاضل لمناقشتها، ألا وهي «العوائد الإيجارية المضمونة» والتي تلجأ لها الكثير من الشركات العقارية لإغراء العملاء بالشراء وقد يقعون ضحيةً لمثل هذه العوائد في حال كانت غير صحيحة ومبالغا فيها. في البداية يجب أن نؤكد على أن كل عقار قابل للتأجير أياً كان نوعه أو حجمه أو موقعه وتتفاوت نسب الإيجار طبقاً للعديد من العوامل مثل موقع العقار ونوعية التشطيبات ومميزات العقار ومدى قربه من الخدمات والمواصلات ومستوى المنطقة الموجود بها العقار والخدمات التي يحتويها.. إلخ. وفي الوقت الحالي، تطالعنا الصحف بإعلانات براقة لعقارات مع عوائد إيجارية يسيل لها اللعاب وتضمنها الشركات لمدد تتراوح من سنة إلى عشر سنوات بما يوفر للعميل راحة البال والاستقرار المالي ويتسابق العملاء لشراء مثل هذه الفرص حتى لا يخسروا مثل هذا العرض الذي لا يفوت، حيث هناك مكسب «بدون مجهود» «بدون وجع رأس» «ومضمون لعدد من السنوات سواء تأجر أم لم يؤجر» وهنا تأتي المشكلة والتي يقع جزء كبير منها على عاتق المستثمر في التأكد من أن مثل هذه العوائد التي تبلغ في بعض الحالات 25% سنوياً صحيحة أم لا؟ وهل هذا العائد منطقي؟ ولو كان منطقياً فلماذا لا تشتريه البنوك وشركات الاستثمار وصناديق الاستثمار؟ لماذا يبيعه المالك أصلاً؟ وكيف يفرط في عقار يبيض له بيضة ذهبية كل عام؟ لماذا يُترك في السوق هكذا قبل أن يخطفه أي مستثمر كبير؟ ولماذا أتى إليَّ أنا بالذات؟ هل كل هذه المؤسسات المالية وصناديق الاستثمار والبنوك و«هوامير السوق» لم ينتبهوا لمثل هذه الفرصة وانتبهت لها أنا؟!! أسئلة كثيرة وكثيرة يجب على كل مستثمر أن يتوقف عندها ويسعى لإجابتها قبل اتخاذه قراراً بالمضي قدماً في هذا النوع من الاستثمار، لأن هناك الكثير والكثير من القضايا والمشاكل التي سببها الاستثمار في عقارات تدر دخلاً إيجارياً مضموناً ثم فوجئ المستثمرون بأن العائد الحقيقي لا يبلغ حتى ربع ما يتم ضمانه لهم وسوف أضرب مثالاً حقيقياً لعقارات تم ترويجها للبيع في إحدى المدن الساحلية في تركيا بعائد إيجاري يبلغ 17 إلى 20% سنويا مضمون لمدة ثلاث سنوات، في حين أن العائد الإيجاري في إسطنبول العاصمة بكل تاريخها وعدد سكانها وزوارها لا يتجاوز 4% سنوياً في أفضل الأحوال قبل خصم الضريبة!، وهناك مثال آخر في بريطانيا، حيث باعت إحدى الشركات مشروعاً لمواقف السيارات، حيث تتملك موقفا لسيارة مع عقد إيجار مضمون لمدة عشر سنوات قابلة للتجديد بعائد مضمون 15% سنوياً!!. والسؤال للمهتمين بمثل هذه المشاريع، هل تعرف أن الشركات التي تبيع هذه المشاريع من الممكن أن تعلن إفلاسها في أي وقت وبالتالي تطلب من المحكمة «الحماية من الدائنين» وتُفسخ جميع العقود الموقعة مع جميع الأطراف في تلك الحالة ويصبح موقف السيارة مسؤوليتك أنت تديره بمفردك وطبعاً هذا غير قابل للتنفيذ. في الحلقة القادمة بإذن الله سوف نتكلم عن كيفية قيام مثل هذه الشركات بضمان هذا العائد الضخم وما هي الدورة الاستثمارية التي يقومون بتخطيطها؟ وما هي طرقهم في جذب العملاء الجدد وكيفية تجنب مثل هذه الفخاخ المنصوبة للعملاء طيبي القلب؟.