تتردد السلطات المغربية حاليًا حيال قرار تعويم العملة الوطنية الذي كانت تستعدّ له مع بداية شهر يوليو الجاري، وتعود أسباب التأجيل إلى وجود احتجاجات ببعض المدن تنم عن إشكالات اقتصادية واجتماعية، وإلى مدى جاهزية النظام النقدي لاستيعاب التحول من نظام ثابت إلى آخر أكثر مرونة. بداية يتعين علينا أن نعرف ما المقصود بتعويم العملة وما هي الشروط التي من شأنها أن تجعل هكذا قرار يعود بالفائدة على اقتصاد الدولة التي تضطر للجوء اليه. تعويم العملة هو أن تتوقف الدولة عن التدخل في تحديد سعر صرف عملتها المحلية مقابل العملات الأخرى ولا سيما الدولار الأمريكي وأن تترك عملية تحديد هذا السعر لقوانين العرض والطلب فترتفع قيمة سعر صرف العملة المحلية إذا كان المعروض من العملات الأجنبية في أسواق ومصارف الدولة كبيرا وتنخفض قيمة سعر الصرف إذا كان هذا المعروض قليلا. ولأن هذه الحالة تعرض حياة الشرائح الضعيفة في المجتمع لمخاطر ارتفاع أسعار السلع الاستهلاكية الأساسية لا سيما المستوردة تبعا لانخفاض قيمة سعر صرف العملة المحلية نتيجة لهذا التعويم فإن قرارات تعويم العملة يصاحبها عادة تفاقم السخط الشعبي على الحكومة ويقود إلى احتجاجات واضطرابات لا قبل للسلطات المحلية بها. لذلك فإن هناك شروطا لا بد منها لكي يكون أي قرار بتعويم العملة آمنا وقليل المخاطر ومثمرا باعثا على الاستقرار وليس العكس. أول وأهم هذه الشروط على الإطلاق هو أن يقود قرار التعويم إلى اجتذاب أكبر حجم ممكن من العملات الصعبة عن طريق تحفيز الصادرات وتشجيع الاستثمار وتنشيط السياحة وامتصاص أكبر قدر ممكن من تحويلات المواطنين العاملين خارج البلاد من التحويلات المصرفية عبر القنوات المأذونة وما لم تملك أي دولة رؤية واضحة لجلب العملات الصعبة بعد قرار التعويم فإنها تكون كمن تخاطر باقتصادها وأمنها واستقرارها معا. هذا الشرط الموضوعي لا يتحكم وحده في إحداث حالة توازن فهناك عوامل أخرى «عميقة» قد تدخل في الخط وتقلب الحسابات رأسا على عقب وتجعل من توافر هذا الشرط الموضوعي كأن لم يكن من هذه العوامل العكسية ما يتعلق بالسيكولوجي وما يتعلق بالسوسيولوجي أو الثقافي، ومن أمثلة ذلك أن تتفشى فجأة ظاهرة استبدال الأرصدة بالعملة المحلية للمواطنين بالعملات الأجنبية أو عدم تدفق التحويلات من الخارج رغم كل المغريات أو أن تتعرض صادرات الدولة لكساد مفاجئ أو تعتري عامة المواطنين نزعة استهلاكية جديدة تجاه سلع مستوردة بعينها أو تصاب مناطق الإنتاج أو السياحة بكوارث طبيعية تعطل جلب العملات الصعبة. تعويم العملة لم ينجز حتى الآن وعده بإعادة التوازن لاقتصادات غالب الدول، ولم تتحقق آمال أنصاره. وتدل جميع التجارب على أن تعويم العملة ما لم يرتبط بحزمة من الإجراءات الجريئة التي تهدف لتعزيز الاستثمار والسياحة فإنه يكون مخاطرة غير مأمونة العواقب.