تحسن أسعار النفط.. استثمار الفرص والدروس

حتى أكثر الخبراء تفاؤلا ما كانت توقعاتهم لتحلق عاليا إلى هذا المستوى، وتحلم بأن تلامس أسعار النفط عتبة ال «70» دولارا، وفي بدايات العام ٢٠٢١م، وأن تقفز الأرقام التصاعدية بهذه السرعة وفي فترة وجيزة جدا، لقد تخطت أسعار النفط في الأسواق العالمية تقديرات موازنة السلطنة لعام ٢٠٢١ التي بنيت عليها قيمة برميل النفط، وفي تغريدة للدكتور محمد الوردي، الأكاديمي والمحلل الاقتصادي على حسابه في تويتر قبل أسابيع قليلة، عندما كانت الأسعار أقل عما هي عليه ساعة إعداد هذا المقال، أوضح قائلا بأن «نفط عمان يقترب من ٦٠ دولارا لأول مرة منذ يناير ٢٠٢٠م، مرتفعا ١٥ دولارا فوق سعر الموازنة، ويقترب من مستوى سعر التعادل للموازنة»، مضيفا بأن هذا الارتفاع ترجع أسبابه إلى «تنامي الآمال بتعافي البشرية من جائحة كورونا ومن تواصل تحفيزات الاقتصاد الأمريكي، وتضرر قدرة الشركات البترولية على زيادة الانتاج مستقبلا». ويضيف عدد من الخبراء إلى تلك الأسباب،«تخفيض السعودية لإنتاجها النفطي بمعدل يصل إلى مليون برميل يوميا، ونقص المخزونات الأمريكية منه». ويعد ارتفاع أسعار النفط مؤشرا على بداية انتعاش الاقتصادات الخليجية وخروجها من حالة الركود الذي جثم عليها خلال السنوات القليلة الماضية بسبب تتابع انخفاضات سعر النفط في الأسواق العالمية، والانكماش العميق في عام ٢٠٢٠م، على ضوء الخسائر الكبيرة التي خلفتها جائحة «كوفيد ١٩». وبتحسن قيمة برميل النفط تحسنت أسعار الأسهم، ونشطت الأسواق، وساد التفاؤل الساحة الخليجية، وتنفس المواطن الصعداء، فقد كان القلق يساوره من مستقبل غامض في ظل تواصل انخفاض أسعار النفط على قيمة عملة بلده أولا، والخوف من الاستمرار في استقطاع المزيد من امتيازات راتبه ثانيا، وعلى زيادة الضرائب والرسوم وارتفاع أسعار السلع والخدمات وزيادة معاناة المسرحين والباحثين عن عمل ثالثا.. كيف لا؟ وقد علمته دروس السنوات القليلة الماضية بأن حكوماته لا تفكر الا في الخيارات السهلة عندما تنكمش اقتصاداتها وتتراجع أسعار النفط، وفي مقدمتها جيب المواطن المسكين. ويعد هذا الارتفاع من جانب آخر فرصة يجب على دول الخليج العربي اقتناصها بعد تراكم خبرات الدروس العميقة التي مرت عليها، فالدخول كأطراف رئيسية في «حروب لا ناقة لها فيها ولا جمل»، والتدخلات السياسية في شؤون الآخرين، وحالة القطيعة التي تمارسها تجاه بعضها، وارتفاع الإنفاق على الخدمات بشكل كبير، والفساد الداخلي جميعها قادت إلى تبذير المال العام وإثراء كبار المسؤولين والنافذين والمنتفعين، وإلى استنزاف الصناديق السيادية وإهدار الفرص والمشاريع المشتركة التي قدمها مجلس التعاون الخليجي، وغياب أدوات المساءلة والمحاسبة.. ما أفقد المجتمعات الخليجية ثقتها في حكوماتها وأدى إلى الاحباط واليأس والتذمر في الشارع الخليجي، فلا مناص أمام الحكومات الخليجية إذن سوى التوجه نحو تطبيق السياسات والبرامج التي تهدف إلى تنويع مصادر الدخل وتطوير الأنشطة والقطاعات الاقتصادية الرائدة ورفع مساهماتها في الناتج المحلي وتجاوز مرحلة الشعارات والرؤى والخطط إلى التنفيذ والتطبيق وتحقيق النتائج الإيجابية الملموسة وتعميق التعاون الاقتصادي بينها، فمعظم القراءات والتحليلات المتكئة على التنبؤات المستقبلية تشير إلى أن الثروة النفطية وإلى جانب أنها نابضة وغير متجددة فإن العالم الصناعي والدول المتقدمة تسير بقوة نحو الاستغناء عنها تدريجيا واستبدالها بأنواع أخرى من الطاقة الكهربائية والشمسية والهيدروجينية وغيرها.. فهل سيقود تحسن أسعار النفط إلى ارتكاب ذات الأخطاء السابقة وإهدار الفرص والدروس، أم أن المنطقة الخليجية ستشهد تحولا في السياسات ونهضة اقتصادية تقوم على التعاون والعمل المشترك؟ سوف ننتظر الأشهر القليلة القادمة فهي كفيلة بالإجابة على هذا السؤال الحيوي والهام.