أفضل الناس

كثيرة هي الدراسات والإحصائيات التي ترصد أثر البيئة المحيطة على نجاح الفرد، وأثر الدوائر الاجتماعية التي تحيط بِنَا على جودة حياتنا، ومنها دائرة الأهل والأصدقاء والمعارف وزملاء العمل، ولا شك أنه كلما اقترب الإنسان من الأشخاص الإيجابيين كلما انعكس ذلك إيجاباً على مسيرة حياته وإنجازاته، ولذلك أصبح لزاما إيجاد أفضل تعريف لأفضل وأحسن الناس، جعلنا الله وإياكم منهم. فلمّا سُئِلَ رسول الله صلى الله عليه وسلم عن أفضل النَّاس قيل إن عبد الله بن عمرو قال: قيل لرسول الله - صلى الله عليه وسلم: أي الناس أفضل؟ قال: كل مخموم القلب، صدوق اللسان، قالوا: صدوق اللسان نعرفه، فما مخموم القلب؟ قال: هو التقي النقي، لا إثم فيه ولا بغي، ولا غل، ولا حسد [رواه ابن ماجة: 4216، وصححه الألباني في صحيح ابن ماجة: 3397]. وفِي الحديث إشارتان مباشرتان إلى الصدق في اللسان وهو الأمر الذي لا يتأتى إلا بوجود القناعات الذاتية بأن الصدق، قولاً وسلوكاً وفكراً، هو منهج حياة وطريقة تعامل وأسلوب عمل مسلم به ومبدأ لا يمكن التفكير بمسه مطلقاً، أما الأمر الثاني فهو مخموم القلب، وكما ذكر الرسول الكريم هو ذو القلب الصافي النقي الذي لا يحمل الغل ولا الحقد ولا الكراهية ولا الحسد، فإذا رأيت في الناس غير ذلك ممن إذا جالستهم لم يتركوا عيبا على أحد إلا وذكروه ولا زلة لأحد إلا وقفوا عليها ولا منقصة عند أحد إلا أسقطوا عليها الضوء، فأولئك محرقة الوقت وأعداء النجاح وليسوا من أفضال الناس، بل هم شرارهم. إن أفضل الناس من إذا قابلته سرك بشاشة وجهه وإذا حدثته أمتعك بطيب كلامه وإذا استنصحته أفادك بسليم نصحه وإذا استأمنته على قول أو مال أمنت جانبه دون تحرج وإذا عاملته بتجارة أو بمال كان لين الطرف قولاً وفعلاً، إن أفضل الناس شهم الموقف، كريم الطبع، موزون الحديث، من يعلم أنه يرتفع برفع قدرك ويزداد بزادك ويسمو بتواضعه معك، فالكسب الحقيقي في القرب مِن هذه البشر والمكسب الآخر الكبير هو الابتعاد عن شرار الناس والذين ذكرناهم في المقالة السابقة. إن أحد أهم عوامل نجاح المجتمعات بكل أشكالها، الاجتماعية والاقتصادية والسياسية، هو التخلص من الشخصيات الضارة، كما أسلفنا بالشرح، وأيضاً التركيز على الأجيال الجديدة لتكون صحيحة نفسيا لما له بالغ الأثر على مستقبل الأمة، الأمر الذي يحتاج إلى عمل وجهد وتخطيط ومتابعة وتقييم، وفِي نفس الوقت التركيز على تقريب وترقية الأفراد ذوي الروح الإيجابية والقلوب النقية، وعلى أمل اللقاء بكل ذي قلب نظيف وخلق قويم هذه تحية وإلى اللقاء.