العلاقة بين المادية والعزلة الاجتماعية

دائما يقال بأن النفوس كانت طيبة يوم كان الخير قليلا، والآن مع كثرة الخير لم تعد العلاقات الاجتماعية بنفس القوة وقد تصل إلى العزلة والابتعاد عن المحيط الاجتماعي. وفي تفسير هذه الظواهر هناك أكثر من زاوية للحديث، ولكن من خلال قراءة لإحدى الدراسات العلمية وجدت تفسيرا قد يعطي إجابة ولو جزئية عن هذا التغيير الاجتماعي ومسبباته. امتدت هذه الدراسة لست سنوات وشملت ألفين وخمسمائة مستهلك، تم فيها البحث عن مدى ارتباط الشعور بالعزلة الاجتماعية والنزعة المادية. الشعور بالعزلة يصنف على أنه مدخل لعدد كبير من الأمراض. فهو مرتبط بانخفاض الالتزام الشخصي وعدم الانضباط، قلة النوم، وضغط الدم وغيرها من الأمراض الجسدية والنفسية. المادية تفسر على أنها مستوى الأهمية التي يعطيها المستهلك لاقتناء أو امتلاك الممتلكات المادية. الجديد هنا أن دراسة العلاقة بين العزلة الاجتماعية والمادية كانت باتجاهين معاكسين، الأول: مدى تسبب النزعة المادية في اعتزال المستهلك اجتماعيًا، والثاني: بوجود العزلة الاجتماعية لدى المستهلك، مهما كانت أسبابها، هل تتسبب في تكون أو زيادة النزعة المادية لديه. ومن المتعارف عليه بأن الإنسان بطبعه يسعى لتعويض النقص الذي يشعر به، فعندما لا تتم تلبيه الاحتياج من التواصل الاجتماعي يكون هناك سعي لسد هذه الفجوة، لذا فإن الشخص الذي يشعر بالانعزال الاجتماعي، يتكون لديه اهتمام أكبر باكتساب المال، المظهر الخارجي والصيت. أيضًا يكون لديه تعلق بالممتلكات للشعور بالطمأنينة والراحة. ومع مرور الوقت والاستمرار في عملية التعويض المادي للنقص في العلاقات الاجتماعية، تبدأ المادية في أخذ مكانة أكبر في سلوك المستهلك، تتخطى فيها دور التعويض عن النقص. وهذا التحول من مجرد تعويض مؤقت إلى سلوك دائم يجعل للمادية قيمة لدى الفرد تتعدى الحاجة للعلاقات الاجتماعية وبالتالي تدفع أكثر للانعزال. وهناك ثلاثة أنواع من المادية: 1) مركزية الاستحواذ، وتعني أن المستهلك يسعى للتملك برغبة داخلية تعطيه نوعا من الرضا. فخطوات الشراء وكل ما يترتب على عملية الاستحواذ والتملك تعطي متعة خاصة. 2) التملك كمؤشر للنجاح، وهنا يكون الحرص على الشراء واقتناء الممتلكات المميزة وإظهارها لإعطاء إشارة للآخرين بالنجاح والمكانة. 3) التملك بحثًا عن السعادة، وهنا يكون الشراء والاقتناء وسيلة للشعور بالسعادة. فمع كل عملية شراء تزيد سعادة المستهلك، وهنا يمكن أن يكون البحث عن السعادة تعويضًا لفقدانها من نواحٍ أخرى. فالمادية في هذه الحالة تعتبر كدواء مرحلي ومحاولة لجلب السعادة المفقودة. وخلصت الدراسة إلى أن الثلاثة أنواع من المادية تؤدي مع مرور الوقت إلى العزلة الاجتماعية. في حين أن العزلة الاجتماعية، إن وجدت لأي سبب، تغذي فقط نوعين من المادية، وهما النوع الثاني التملك كمؤشر على النجاح والثالث التملك بحثًا عن السعادة. ويرجع سبب تأثير العزلة الاجتماعية على هذين النوعين من المادية إلى أنهما مرتبطان بمؤثرات خارجية، رأي الآخرين وفقدان للسعادة. ولا يمكن كسر هذه الدائرة إلا بتعزيز الترابط الاجتماعي والبعد عن الشراء كمعوض. وإن كان الحديث سهلا والتطبيق صعبا، إلا أن الاستمرار في استخدام الشراء لسد النقص، يعمق الأثر السلبي للعزلة الاجتماعية، كالأمراض الجسدية والنفسية، لأنه لا يعتبر بديلا طبيعيا وبنفس الوقت يرهق ماديًا سواء للفرد أو لمستقبله ومستقبل عائلته. ومتى ما تعذر لأسباب مادية أو غيرها الاستمرار في الشراء، كتعويض للعزلة الاجتماعية، تضاعف الشعور بالنقص وتراكمت آثاره.