أَوْلَى القرآن الكريم قضية المسارعة إلى الخيرات عناية كبيرة، فكان حديثا معطرا بنفحات التكريم والتمجيد، حيث دعا دعوة قوية إلى التحلي بفضيلة المبادرة، لاغتنام الفرص في عمل الخير، ولا شك أن القطاع الوقفي يمثل أحد هذه المجالات الفاعلة في تحقيق الخيرات. فقد كان الوقف من أهم الموضوعات في التشريعات الإسلامية، كما أنه يعتبر موردا من موارد الخير المستمرة ويصل ثوابه للإنسان في حياته وبعد مماته، فقد ساهم الوقف وما زال يقدم إسهامات متميزة في مجالات التنمية المختلفة، والتي من بينها إعمار المساجد والدعوة إلى الله والتعليم والبحث العلمي، بالإضافة إلى المجالات الاقتصادية والاجتماعية والبيئية والصحية الأخرى والتي يصعب حصرها. ويشهد الواقع والتاريخ ما قام به الوقف من إحداث طفرات إيجابية في مجال التكافل الاجتماعي والحد من مشكلات الفقر والعوز والمساهمة في علاج المواطنين، ودعم الكثير من مؤسسات التعليم وطلاب العلم. ولا تزال مؤسسات الوقف في بعض البلدان الإسلامية والعربية تمثل منارات خيرية ونماذج للتميز يُقْتَدَى بها، خاصة تلك المؤسسات الموجودة بالكويت وقطر والمملكة العربية السعودية وبعض البلدان الأخرى، حيث تعدت المردودات الخيرية النطاق الجغرافي والمحلي لهذه الدول إلى مناطق كثيرة من العالم، في آسيا وإفريقيا وغيرهما، وقد شهد العالم خلال السنوات القليلة الماضية، تطورات وتغيرات سريعة ومتلاحقة على الصعيد الاقتصادي، كان من أهمها، التحول التدريجي من الاقتصاد التقليدي إلى الاقتصاد الرقمي والمعرفي، فلم يعد الاقتصاد يعتمد على تلك الأفكار والطرق والنظريات والآليات السائدة، في الإنتاج والتبادل والأسواق التقليدية والنقود وشكل المباني، وإنما أخذ أشكالا وقوالب أخرى، يعتمد فيها على الوسائل الإلكترونية، وتماشياً مع هذا التطور، أصبح الوقف الإلكتروني مطلباً مهما تماشياً مع العصر الذي نعيش فيه، فباستخدام العلم والتقنيات الحديثة في إدارة أموال الوقف الخيري للواقفين الجدد، أصبح لزاماً علينا تفعيله، خاصة لما يحققه من استمرارية الأصل وتعظيم العائد منه لتحقيق رسالته النبيلة، كما تشتد الحاجة إلى تفعيل الوقف الإلكتروني في ضوء أوجه الضعف العديدة التي تعاني منها مؤسسات الوقف التقليدي في بعض البلدان الإسلامية والتي تدار من قِبل الحكومات، حيث الروتين والبيروقراطية وتفَشِّي الفساد وضعف المردود الاقتصادي والاجتماعي والاعتداء في بعض الأحيان على أموال الواقفين، فضلاً عن المخالفة للأصول الفقهية الثابتة والمتعارف عليها، فقد ولد الوقف باختيار حر، والاختيار الحر يولد الالتزام وعليه فإن حق الواقف في الاستقلال هو الأصل، وأن التدخل في شؤون الوقف، لا يكون للرقابة بقدر ما يكون للنصح والتوجيه والإرشاد وهذا ما لا تفعله بعض حكومات البلدان الإسلامية. أما أهم مزايا الوقف الإلكتروني، فهي تخفيض التكاليف بدرجة كبيرة، حيث ستحل المؤسسة الوقفية الإلكترونية في سماء الفضاء الافتراضي على الشبكة العنكبوتية على شكل موقع إلكتروني والذي لا تتجاوز مساحته صفحات قليلة في أكبر الأحوال، وذلك بدلاً من المباني الكبيرة لمؤسسات الوقف التقليدي، كما يعمل الوقف الإلكتروني على توسيع دائرة الواقفين نتيجة لسهولة وتيسير إجراءات إقامة النشاط الوقفي والوصول بمردود الوقف إلى نطاق جغرافي أبعد. أما أهم المجالات التي يمكن أن يشملها الوقف الإلكتروني، فهي كثيرة ومتعددة، حيث تتنوع ما بين التعليم والتدريب عن بُعد والترجمة، حيث الحاجة المُلِحَّة لعدد كبير من سكان العالم الإسلامي للتعليم كمنطلق أساسي لإحداث النهضة المرجوة وكذلك العيادات الطبية التي تقدم الاستشارات العلاجية ومراكز الدعوة الإسلامية ومراكز تقديم الاستشارات القانونية والتربوية والنفسية، فضلاً عن مراكز الثقافة القيمية لمواجهة فكر الغلو والتطرف ودعم قضايا المسلمين بصفة عامة وقضايا الأقليات الإسلامية بصفة خاصة وغير ذلك من المجالات. غير أن الوقف الإلكتروني يواجه بعض المشاكل تتمثل في ضعف الثقافة الرقمية لدى الكثير من المستفيدين من الوقف وكذلك هو الحال بالنسبة للبنية التحتية الإلكترونية، كل هذا يضع الواقفين أمام تحديات كبيرة تتطلب المساهمة في معالجة هذه الأمور. وأخيرا فهل يحقق الوقف الإلكتروني، بشكله الجديد، المحافظة على المكانة المرموقة لمؤسسات الوقف واستعادة الهيبة المنشودة وتنشيط دوره الريادي في تحقيق العمران والحضارة.