أثارت الوثائق التي نشرها الاتحاد الدولي للصحفيين الاستقصائيين والتي سميت بـ«وثائق بنما» والتي بلغ عددها 11.5 مليون وثيقة تفصيلية، عاصفة من الجدل وردود الفعل في عدد من الدول التي ذكرتها تلك الوثائق، حيث تزعم هذه الوثائق أن هناك عددا كبيرا من الشركات التي تتواجد مقارها الرسمية في ملاذات ضريبية تُستغل فيما يشتبه أنها عمليات فساد كبيرة تحرمها المحاكم والقوانين الدولية، مثل غسيل الأموال وصفقات سلاح ومخدرات وجرائم التهرب الضريبي. وتزعم هذه الوثائق أنه تم استخدام شركة المحاماة البنمية «موساك فونسيك» لإخفاء ثروات لشخصيات عالمية. وتمس هذه الوثائق أكثر من 214 ألف جهة من مؤسسات وشركات عالمية في أكثر من 200 دولة. لقد كشفت هذه الوثائق عن أسماء 140 شخصية من رجال السياسة والمشاهير وشخصيات عامة، منهم 12 من زعماء العالم، الحاليين والسابقين، بالإضافة إلى أسماء مقربين من بعض رؤساء دول قاموا بإخفاء ثرواتهم عبر شركات ومؤسسات وهمية. كما كشفت عن أسماء شركات عالمية ساعدت تلك الشخصيات «المرموقة» في إخفاء ثرواتهم الهائلة، حيث ساعدتهم في عملية التهرب من الضرائب. ومن بين تلك الشركات جزر فيرجن البريطانية بمنطقة البحر الكاريبي، وشركة بنما في أمريكا الوسطى وجزر الباهاما في منطقة البحر الكاريبي وشركات أخرى في أمريكا وأستراليا وهونج كونج. ما هي الحقائق التي يمكن أن نستنتجها من هذه الوثائق الهامة؟ الحقيقة الأولى: يبقى الفساد الإداري والاقتصادي ظاهرة قديمة قدم المجتمعات الإنسانية، وهي ظاهرة ملازمة للحضارة البشرية، وهي لا تزال تنمو بمعدلات مرتفعة. ويتشكل الفساد بأشكال تختلف من بلد إلى بلد آخر ومن زمان إلى زمان آخر، فهو يتكيف مع البيئة الاقتصادية والقانونية والوضع الاجتماعي السائد وحجم وأهمية الاقتصاد. الحقيقة الثانية: لا يمكن حصر الفساد الإداري والاقتصادي في البلدان النامية أو في الطبقة الفقيرة من المجتمع، ولا يمكن القول إن الفقر هو أحد الأسباب الجوهرية في تفشي ظاهرة الفساد. لقد أثبتت هذه الوثائق ووثائق أخرى أن الطمع والجشع لا يميزان بين فقير وغني، وبين شخص عادي وسياسي مدافع عن حقوق الناس أو ممثل يتمتع بشعبية عالمية. فالجميع ولأسباب ذاتية، أهمها حب المال والجشع، قد ينهب أو يسرق أو يتحايل على القانون لغسل أمواله الفاسدة وإخفاء أمواله تهربا من الضرائب، فالأغنياء ورجال السياسة هم أكثر المتهمين في قضايا الفساد الاقتصادي في العالم. لقد ارتبط وجود ظاهرة الفساد بوجود الأنظمة السياسية في مختلف الدول المتقدمة والنامية على حد سواء، ظاهرة الفساد لا تقتصر على ثقافة دون أخرى أو مناصب اجتماعية اقتصادية. الحقيقة الثالثة: على الرغم من حجم القوانين والاتفاقيات والإجراءات التي اتخذتها الدول والمنظمات العالمية في محاربة الفساد وتحجيمه، إلا أن الفساد لا يزال متفشياً على الصعيد العالمي، ولا يزال ينمو ويتشكل بأشكال تصعب على الحكومات معرفتها، ولا تزال تلك الحكومات عاجزة عن إلحاق الهزيمة التاريخية بظاهرة العصر، خاصة أن كثيرا ممن ينادون علنا بضرورة اتخاذ كل الإجراءات اللازمة لمكافحة الفساد هم في الواقع رجال الفساد العالمي وهم أبطال وثائق بنما والتي ستتحول إلى قصص سينمائية خيالية، والبطل في الأفلام السينمائية لا يموت.