نختتم اليوم حديثنا عن معالم التجربة الماليزية لتوضيح عوامل نهضة ماليزيا، والتي تشتمل على عدة جوانب: * أولا: الوحدة الوطنية: فرض مهاتير حالة حقوقية تربط حقوق الفرد وواجباته بإنتمائه الوطني وليس العرقي. فنقل المجتمعَ الماليزي من حالة «التعدّد» إلى حالة من «التعدّدية» والمشاركة في التنمية. * ثانيا: إصلاح التعليم: يقول مهاتير«التعليم هو سبب نجاح التجربة الماليزية حيث أن ربع الميزانية كان مخصصًا للتعليم». وتم تقوية العَلاقة بين مراكز البحوث والجامعات وبين القطاع الخاص، وبث قنوات تليفزيونية وإذاعية حكومية، وتخصيص37% من برامجها لتعليم القراءة والكتابة، ومحو الأمية الوظيفية والمعلوماتية. * ثالثا: التسهيلات التجارية: حيث تم إنشاء عاصمة سياسية لماليزيا، وهي مدينة «بوتراجايا» والتي تضم معظم الوزارات والهيئات الحكومية. بجانب العاصمة التجارية «كوالالمبور» وتقديم إعفاءات ضريبية تصل حتى عشر سنوات، وتزويد المناطق المختلفة بالبنية التحتية، والسماح بالإستثمار الأجنبي المباشر بشرط ألا تنافس السلع التي ينتجها المستثمر الأجنبي الصناعات الوطنية التي تشبع حاجات السوق المحلية. * رابعا: قيادات ذات رؤية ونزاهة: «النظافة والكفاءة والأمانة» كانت تلك الكلمات الثلاث شعار أول انتخابات عامة في العام 1982، يخوضها مهاتير، وهو مُتقلد منصب رئيس الوزراء حيث يقول «فوجدنا أن التغيير واجب في ثلاث جوانب: تطهير البلاد من الفساد، ورفع الكفاءة، والتحلي بالأمان». لذا فقد أعلن للشعب بكل شفافية خطته وإستراتيجيته، وأطلعهم على النظام المحاسبي الذي يحكمه مبدأ الثواب والعقاب للوصول إلى «النهضة الشاملة» فصدقه الناس ومشوا خلفه ليبدأوا «بقطاع الزراعة». فغرسوا مليون شتلة «نخيل زيت» في أول عامين لتصبح ماليزيا أولى دول العالم في إنتاج وتصدير «زيت النخيل». * خامسا: نهضة صناعية واقتصادية: كانت خطة مهاتير واضحة للشعب، فقد سعى أن تكون ماليزيا في عام 2020 رابع قوة اقتصادية في آسيا بعد الصين، واليابان، والهند، وهو ما سمي بخطة (عشرين عشرين)، فبدأ بتنمية الصادرات لإنعاش الاقتصاد. وفي قطاع السياحة، تم تحديد الدخل المستهدف في عشر سنوات لـ 20 مليار دولار، بدلًا من 900 مليون دولار عام 1981، لتصل الآن إلى أكثر من 33 مليار دولار سنويًا. وانتقلت ماليزيا إلى مرحلة الصناعات عالية التقنية منذ عام 1986 وأصبحت الآن واحدة من أكبر الدول المنتجة والمصدرة للرقائق الإلكترونية والأجهزة الحديثة، وتشكل السلع الصناعية 82٪ من صادراتها. كما بدأ العمل في مجال تصنيع السيارات، فتم صناعة السيارة الماليزية الوطنية «بروتون». * وختاماً: الاستفادة من تجارب الآخرين: من أقوال مهاتير المأثورة «إذا أردت الحج اذهب إلى مكة. وإذا أردت العلم اذهب إلى اليابان» لذا فقد بدأت ماليزيا في بحث أسباب نهضة اليابان التي أصبحت من أكبر حلفاء ماليزيا في مشروعها نحو التنمية والتقدم. وكانت الاستفادة كبيرة فيما يتعلق بأخلاقيات العمل والتطور التقني والتميز في المجال الصناعي إلى أن أصبحت الدولة الصناعية الأولى في العالم الإسلامي.