هنالك أفكار اقتصادية لا تزول بالرغم من أن الوقائع أثبتت فشلها. تكمن خطورتها في الاصرار على تطبيقها من قبل المجتمعات والحكومات وأصحاب القرار بالرغم من أنها خاطئة أو أقله مبالغ بها وبتأثيرها. أسواء ما فيها نتائجها التي أعطت أزمات اقتصادية ومالية ما زال العالم يعاني منها. هنالك أصوات عالمية تدعو الى مراجعة ما وصلنا اليه، أي مراجعة المبادئ والدراسات والممارسات كي نتعلم من الأخطاء ونصحح أو نرمم ما أمكن. ليس كل ما حدث في الماضي سيئا، لكن هنالك كوارث مالية واجتماعية حصلت تفسر التخبط السياسي والشعبي بل القلق الحاصل اليوم في كل المجتمعات. ما الذي يفسر حصول اليمين المتطرف في العديد من الدول الغربية مثلا على أرقام مرتفعة جدا في الانتخابات غير النتائج الاقتصادية السيئة؟ في خطاب له يوم تسلم "روبرت لوكاس"، الحائز على جائزة نوبل للاقتصاد، رئاسة تجمع الاقتصاديين الأميركيين سنة 2003 قال "نحن متأكدون من أن العلم الاقتصادي تطور لمستوى يجنبنا السقوط مجددا". طبعا أزمة 2008 تشير الى عكس ذلك، والى أن العلم وممارسته لم يتقدما بعد الى الدرجة التي تمناها "لوكاس" أو اعتقد أنها حقيقة لا لبس فيها. في سنة 2008، قبل الأزمة بأيام، قال الاقتصادي المعروف "أوليفييه بلانشار" أن العلم الاقتصادي هو في حالة جيدة نتيجة البحوث والتطوير كما التجارب والممارسات. حكما أن المبالغات أو الأخطاء لا لبس فيها ويجب المراجعة والتصحيح. يقول "جيف مادريك" في كتابه "سبعة أفكار سيئة" أن الاقتصاديين متمسكون بمبادئ أو أهداف أثبتت فشلها في التطبيق. لم تكن المبادئ أيضا صحيحة في بعض الأحيان. يقول "شارل هنري فيليبي" في كتابه "الخطايا السبعة لرأس المال" أن ممارسة الرأسمالية كانت خاطئة وأعطت نتائج كارثية من الصعوبة تصحيحها. "اليد الخفية" التي تكلم عنها "أدام سميث" مؤسس العلوم الاقتصادية في كتابه "ثروات الأمم" في سنة 1776 تعني أن ممارسة الأهداف بشكل جيد وفاضل من قبل الجميع تؤدي الى تحقيق المصلحة العامة، فلم تكن كذلك. تكلم "سميث" عن ممارسة الأعمال بأخلاق واحترام ولم يكن يدري أن درجة الجشع وصلت الى حدود لم يعرفها التاريخ. فتصرفات "مادوف" وستانفورد" وأصحاب حسابات باناما لم ترد حتما في تفكير وكتابات "سميث". الحكمة في نظريات سميث تكمن في أن النظام الاقتصادي الحر المبني على تحقيق المصلحة الفردية في كل المجالات يؤدي الى تحقيق البحبوحة للجميع، وهذا ما لم يحصل كما تشير اليه الأزمات وسوء توزيع الدخل والثروة. أما قانون "ساي" الذي يقول إن العرض يخلق الطلب. فالمنتجون يقررون والمستهلكون ينفذون. طبعا لم يحصل ذلك، لكن الاقتناع بالقانون سبب وجود فائض كبير في السلع والخدمات، وبالتالي حدث ركود متكرر على جميع المستويات. للمستهلك أذواق ويأخذ قراراته تبعا لمصالحه ولا يمكن فرض أي أمر عليه. أتى "غالبريث" ليقول إنه يمكن للمنتج أن يخلق الحاجة أي يعطي سلعا لم يكن المستهلك يفكر بها. هنا تكمن أهمية البحوث بحيث يدرس المنتج ماذا يمكن ان يعجب المستهلك ويقوم بالتنفيذ. أما التقشف الاقتصادي الناتج عن الأزمات المالية والاقتصادية المتنوعة، فأعطى نتائج عكس المتوقع لأن حاجات الإنسان أصبحت متطورة ولا يمكن العودة الى الوراء وبالتالي كان من المفروض تجنب الوقوع في الأخطاء التي سببت التقشف. هنالك علاقة سلبية بين التقشف والنمو أشار اليها "كينز" وتبعه فيها عشرات الاقتصاديين منهم "ستيغليتز". لا يمكن تحميل المواطن أخطاء الحكومات المتعاقبة، ولا بد من المحاسبة.