عُرس الموسم بامتياز، وحديث الناس بلا مُنازع، زفاف اسطوري لولي العهد الأردني الأمير الحسين بن عبد الله من الأميرة رجوة خالد السيف في قصر زهران بالعاصمة الأردنية عمّان، زفاف جميل تذكرنا من خلاله ليالي قديمة مضت، عُدنا بها الى الوراء سنوات وسنوات لتلك اللحظة التي شهِد فيها العالم حينها زفاف الاميرة ديانا مع ولي عهد بريطانيا الأمير تشارلز حينها والذي حدث في 29 يوليو 1981، اما اليوم وبعد 32 سنة تقريبا وفي نفس الأجواء الهادئة الجميلة فقد حضر العديد من الشخصيات والرؤساء والمشاهير بالإضافة الى أفراد من العائلات المالكة حول العالم في هذا الزواج الملكي، وقد كان من بينهم الأمير " ويليام " أمير بريطانيا وزوجته " كيت " أميرة ويلز، كما حضرت حفل الزفاف السيدة الأمريكية الأولى " جيل بايدن " وابنتها " آشلي بايدن " وغيرهم الكثير، زواج ملكي بامتياز بأناقته وترتيباته، شعبي بكل ما تحمله الكلمة من حب الناس وعفويتهِم، ولذلك وبعيدا عن أي تفاصيل جميلة في ذلك الزفاف فإن اهم ما اثار انتباهي واحترامي الكبيرين في هذا الحفل الخاص فهو تلك اللمسة الجميلة من البساطة والهدوء والأجواء السهلة المُمتنِعة التي تم بها تناوب الاحداث وتتاليها، من اختيار المكان والزمان والحضور وحتى الشكل العام والديكور والألوان كلها كانت تنتمى لنفس العائلة الا وهي عائلة البساطة والجمال، أما الحضور والمحتفلون وحتى المُتابعون فقد انعكس ذلك عليهم فكانوا أيضا معهم يعيشون نفس الأجواء في نفس الروح البسيطة الهادئة، وهو ما جعل مقارنة بسيطة تجول في ذهني، كيف ان هذا الزفاف الملكي الكبير كان سيكون لو انه زفاف لاحد أبناء السياسيين أو المنتفعين من الحرب أو السلام الذين يحاولون اظهار انفُسِهم امام مُجتمعاتهم وشعوبهِم؟ وكيف كان سيكون الجو والمظهر العام لو ان العريس هو ابن رجل اعمال ممن أدمن الربح والثراء وممن يبحثون عن المظاهر والاشكال الخارجية؟ وهنا يأتي السؤال المهم، فما هي أهم صفات المُنتجين الحقيقيين والاثرياء بأعمالِهم؟ وكيف تكون تصرفاتِهم وما هو الفرق بينهما؟ أولا وقبل كل شيء فإنه من المهم جدا معرفة ان فكرة العمل والانتاج هي في الاساس فكرة مُهِمة يتناقلها الأشخاص والافراد لتتحول بعد مُدة من الزمن الى ثقافة شعبية وموروث حقيقي تتناقله الأجيال والشعوب، ليُصبح حلما وتحدِيا حقيقيا أمام كل رُوّاد الاعمال والإنتاج في المجتمعات والشركات، وهو نفسه الامر الذي يجعل من طريقة التفكير المُنتجة الصحيحة هي الفكرة السائدة في المُجتمعات، فلو نظرنا وبشكل مباشر لطريقة ونوعِية المصروفات التي تقوم بها المصانِع المٌنتِجة لوجدناها تختلف كثيرا عنها في شركات الخدمات العامة الاستهلاكية، فلِكل مقام مقال ولكل مِهنة مصاريف ونفقات، وكُلما كانت العمل شاقا وصعبا كانت المصروفات اكثر حزما واقل تشعُبا، وهو ما يجعل رجال الاعمال الأكثر شُهرة وثراء في العالم يُمارسون عادات شرائية بسيطة وغير مُكلفة، فتجد " بيل غيتس " مثلا يرتدى ال"تي شيرت " البسيطة العادية وتجد " مارك زوكربيرغ " يتجول لابِسا الجينز المُعتاد، اما "وارن بافيت " فيبقى ذاك الثري المُتقدِم في السن الذي ما زال وفيا ومُحافظا على نفس السكن الذي بدأ به حياته والذي يرتاده بوسيلة نقل اعتيادية هي عبارة عن سيارة اهم ما فيها من مواصفات أنها مِلك له، فهو وبرغم انه كان ثالث اثرياء العالم حينها الا انه كان دائما ما يُفضّل الإبقاء على سياراته حتى تتعطل تماماً، فقد كان يمتلك كاديلاك DTS موديل 2006 قيمتها الحقيقية لا تتعدى 12,000$ وذلك حتى العام 2015 حين قرّر بيعها في مزاد علني خيري، لتصل قيمتها إلى 122,500$ بسبب مِلكيته لها، كل هذه المُعطيات العامة والخاصة كانت هي نفسها أيضا السبب الرئيسي لذلك العرس الملكي الراقي الذي لم نشهد منذ فترات طويلة عُرسا يُقارِعه بالبساطة والاناقة والجمال، نعم انها احداث كُبرى تعود بنا من حين الى آخر لتُذكِّرنا بأننا نحن الحدث وبأننا نحن القيمة الحقيقية لكل شيء، وهنا تجدر الإشارة وبشكل سريع الى ان الكثير من الملاحظات والمُتابعات رصدت ان سلوك الأثرياء الشرائي هو اكثر رُشدا منه لدى الأقل ثراء، فعادة ما يصرف الأثرياء أموالهم في شراء أصول حقيقية تزداد قيمتها مع الوقت وتتحول الى أصول مُدِّرة للدخل، اما الأقل ثراء فغالبا ما يصرفون أموالهم في شراء أصول سيئة تفقد من قيمتها الكثير ولا تُدِر أي أرباح، فالهدف من امتلاك هذه الأصول من وِجهة نظرِهم هو رغبتهم الحادة والكبيرة للظهور كما لو انهم من تلك الطبقة المخملية الأكثر ثراء والاعلى ايرادا، فيتحولون وبِفعل تلك الأفكار الى محرقة حقيقية للأموال والثروات، فغالبا ما ترى أبناء اثرياء العالم ينهون تعليمهم الجامعي ويتدرجون في وظائفهِم ليُباشروا بشركاتهِم وأعمالِهم الخاصة، بعكس أبناء الطبقة المُتوسطة والذين يتحولون مع الوقت الى موظفين واُجراء غير قادرين على الانتقال لخانة مالكي الاعمال او الأصول الحقيقية. واخيرا وليس آخرا فإنه وبرأيي الشخصي فإن المظاهر الخارجية غير الحقيقية، التي غالبا ما تكون هي نفسُها الأكثر كِلفة واثمانا، ما هي الا محاولة جديدة لعبور حدود طبقة مخملية هي نفسها لا تعنيها هذه المظاهر، فما قد يظن الثري انه المُنتج الأهم، قد يراه الشخص العادي أصلا من غير الضروري امتلاكه، وما قد يقوم الثري بشرائه لاستخدامه الدائم، هو نفسه السلعة التي قد يشعر اذا استخدمها بأنه شخص عادي فهي سلعة مُنتشرة لا تُميِزه عن غير ولا تُرسل برسائل الثراء الى من يُحيطون به، فهو وفي رحلته الدائمة لإثبات قدرته على الدفع يهدف غالبا الى تأكيد ملاءته المالية لكل من حوله، وهنا أستذكر مقولة شهيرة انتشرت في عالم الاعمال، وبالرغم من تحفظي عليها الا انها تقول" العلامات التجارية هي كذبة اخترعها الأغنياء وصدّقها الفقراء ".