تواجه دول مجلس التعاون الخليجي حملة غير مسبوقة لتشويه أوضاعها الداخلية ومحاولة جرها لما يسمى «بالربيع العربي» والذي في الحقيقة هو «الدمار عربي» وذلك بالتحريض على بعض الإجراءات المالية التي اتخذت والتي تعتبر صحيحة ومطلوبة من وجهة النظر المهنية الاقتصادية، على اعتبار أنها تأتي ضمن عملية إصلاح شاملة لبناء اقتصادات حديثة ومتنوعة وغير معتمدة على النفط. في هذه الحملة شاركت أطراف عديدة، منها غربية وإيرانية وعربية ومنظمات سياسية إسلامية وغير إسلامية انتهازية حاولت التلاعب بالأرقام من قبل أفراد غير ملمين باقتصادات دول المجلس، إذ يحضرنا في هذا الصدد مشاركتنا في حلقة نقاشية بهيئة الإذاعة البريطانية عند بداية تدهور أسعار النفط، حيث أشرنا إلى أن دول المجلس ستكون قادرة على التعامل مع هذا الانخفاض في الأعوام القادمة بفضل العديد من العوامل والأدوات المالية المتاحة، في حين حاول الآخرون إنكار ذلك بدعم من مقدم البرنامج الذي مارس عملية تحريض بعيدة عن الواقع. وبما أن الأرقام لا تكذب، فإليكم قراءة سريعة لما نشر مؤخرا في أكبر اقتصادين خليجيين، أي بعد ثلاث سنوات من عملية انخفاض الأسعار، إذ أعلنت الإمارات عن ارتفاع الفائض في الميزانية الاتحادية بنسبة 130% في التسعة أشهر الأولى من العام الماضي ليبلغ 2.2 مليار دولار، في حين أعلنت السعودية بيانات تفصيلية للتقدم المالي الإيجابي الذي تحقق، حيث انخفض العجز في الربع الأول من العام الجاري 2017 بأكثر من النصف من 14.4 مليار دولار إلى 6.9 مليار. وبفضل هذا التحسن، فقد اتخذت الحكومة السعودية قرارات مهمة أعادت بموجبها كافة البدلات والعلاوات التي سبق وأن جمدت أو ألغيت بعد تراجع العائدات النفطية، إذ لا يرجع هذا التحسن إلى ارتفاع أسعار النفط فوق 50 دولارا للبرميل فحسب، وإنما أيضًا للإجراءات والإصلاحات المالية التي اتخذتها دول المجلس والتي أسهمت في تطوير أنظمتها وجعلها أكثر ملاءمة للتقلبات في أسواق النفط. ومن أجل أن تكون الصورة أكثر موضوعية يمكن القول إنه كانت هناك بعض الصعوبات المالية في الأعوام الثلاثة الماضية، ولكن هناك فرقا كبيرا بين عدم القدرة على مواجهة هذه الصعوبات وبين امتلاك الأدوات اللازمة لمعالجتها والتغلب عليها، وهذا بالذات ما يميز دول المجلس عن غيرها، بما فيها بعض الدول التي شاركت في الحملة. والصعوبات هذه لا تخص دول المجلس وحدها، وإنما شملت كافة بلدان العالم تقريبا، فالصين تراجع فيها معدل النمو من 11% إلى 6% فقط، وتراجع النمو كذلك في الولايات المتحدة وبلدان الاتحاد الأوروبي والهند والبرازيل وتركيا التي تراجع معدل النمو فيها بأكثر من النصف، إذ يأتي ذلك نتيجة لأوضاع الاقتصاد العالمي الذي يمر بدورة اقتصادية متذبذبة بصورة شديدة ومعقدة. لذلك يجب إدراك العديد من الحقائق، وبالأخص من يشارك في الحملة المضادة دون وعي، بحيث يتم فهم الأمور بصورة صحيحة ووضعها في نطاقها الملائم، فرفع أسعار المحروقات على سبيل المثال، هو مصلحة وطنية ذات آفاق مستقبلية إيجابية، كما أنه لا توجد مؤشرات اقتصادية تسير للأعلى فقط! فالاقتصاد عالم متغير ومتذبذب ومؤشراته تميل للأعلى وللأسفل، تمام كما هو حال البورصات وأسعار السلع، بما فيها النفط والذهب في الأسواق الدولية، مع الانتباه للتحريض المستمر من جهات لا تتمنى الخير لدول المجلس التي تعالج الأمور بمهنية تتناسب والأوضاع المالية المستجدة.