الصفر السادس

وقف الملك يوماً قائلاً لأحد فرسانه: «امتطِ حصانك وانطلق به وحيث تصل يكن ملكا لك»، فانطلق الفارس مستغلا الفرصة بأقصى سرعة وبقي يجري، وكلما أنهكه التعب تذكر أنه سينقطع ملكه حيث وصل، فيصر على المكابرة على تعبه حتى يزيد من ملكه ويضاعف أرضه، وظل على ذلك الحال حتى أعياه التعب الشديد ولم يقوَ على الحراك وأدرك حينها أنه يحتضر وأنه سيموت قبل أن يتمتع بما ملك من أرض، فندم على رحلته الطويلة التي لم يستمتع بها ولم يتوقف حتى ليتأمل إنجازه. تلك هي رحلة الحياة، طموح وأهداف لا تنتهي، وخطط واتجاهات لا تتقادم، وأحلام تبقى ما بقي الجوف حاضناً للنفس، رحلة لابد من توجيهها تحت إطار الإنجاز بعيداً عن الطمع، والمعضلة الكبرى في حياة البشر والتي تمت الإشارة لها كثيراً في كتب علم النفس السلوكي والاجتماعي هي التواجد بين حالتي الرغبة والزهد، فإما أن نكون راغبين في شيء أو أن تبدأ تلك الرغبة في الزوال تدريجياً بعد الحصول عليه حتى تصل مرحلة الزهد، وذلك ما يقود الإنسان إلى الاستمرار في حالة البحث عن رغبات جديدة، والمهم في وسط هذه الحالة المستمرة والتراكبية بين الرغبة والزهد والطموح هو أن يتوقف الإنسان عند كل حالة نجاح جزئية ليعيش تلك الحالة بمعطياتها قبل زوالها وتحول رغبته عنها مما يعطي القيمة الفعلية للإنجاز والطموح. وبالعودة إلى الفارس الطموح في بداية المقال فقد حقق الحد الأقصى من طموحه مستنفداً كل جهده إلا أنه نسي أن يدخر شيئا من حياته ومن جهده ومن شغفه للاستمتاع بذلك الإنجاز. إن مفهوم الادخار قد وجد ليكون أداة تحوطية للتقلبات الاقتصادية على مستوى الفرد والمنظمة وهو فائض الدخل عن الاستهلاك، أي أنه الفرق بين الدخل وما ينفق على سلع الاستهلاك والخدمات الاستهلاكية. لذلك يطلق بعضهم أيضاً على الادخار لفظ «الفائض». ولكن مع تغير المفاهيم وزيادة وتيرة الخوف من المستقبل وتخلل مفهوم الطمع وحب التملك عند البشر أصبح الادخار هدفا بحد ذاته والوصول إلى الصفر السادس بالمعنى المجازي أحد أهداف الحياة، بعيداً عن فكرة الفائض والتي هي أساس مبدأ الادخار وتكون المتعة في رصد الأصفار وكنز الأموال، إلى أن ينهك الفارس ويعي أنه نسي في وسط المعركة أن يلتفت إلى ساعة العمر التي نسيها على رزنامة الأيام في خزنة البنك، وإلى أن نلتقي مع فارس آخر هذه تحية وإلى اللقاء.