النقد والاستقلالية

السياسة النقدية مهمة جدا ليس فقط بأهدافها وإنما أيضا بوسائلها وفعاليتها. يحددها المصرف المركزي وتهدف إلى محاربة التضخم أو إبقاء مؤشر غلاء الأسعار دون مستوى متفق عليه كـ 3%. وسيلتها الأساسية هي الفوائد التي عبرها يحدد نمو الكتلة النقدية، وبالتالي تؤثر على الاقتصاد العام. استقلالية السياسة النقدية تعني أن قرارها غير خاضع للسلطة السياسية أي لا يمكن للحكومة إعطاءها الأمر بتخفيض أو رفع الفوائد. الاستقلالية لا تعني عدم التنسيق مع السلطة التنفيذية، بل العكس صحيح لتوحيد الجهود والتأثير إيجابا على الاقتصاد. في الهدف أي البقاء تحت سقف ارتفاع الأسعار، فهو مرن أي يمكن تجاوزه قليلا شرط العودة إليه بسرعة. كلما توسعت صلاحيات وقوة المصرف المركزي كلما هددت الاستقلالية الضرورية للسياسة النقدية الصحيحة. إذا أعطي المصرف المركزي صلاحيات رقابية أو اقتصادية أو استثمارية واسعة، يفقد استقلاليته في الممارسة ويصبح كغيره سلطة سياسية. إذا أراد أي مصرف مركزي الحفاظ على «نعمة» الاستقلالية، عليه أن يبقي صلاحياته في السلطة النقدية. هنالك تغيرات في ركائز السلطة النقدية بين ما قبل أزمة 2008 وما بعدها مرورا بأوضاع كورونا الحالية. قبل 2008، كان التركيز على التضخم كهدف لكن أزمة 2008 فرضت على المصارف المركزية شراء السندات من السوق. لذا كبر حجم ميزانياتها مما عرضها للمخاطر المالية. خفضت المصارف المركزية الأساسية فوائدها الرئيسية إلى حدود الصفر، وبالتالي لم تعد وسيلة الفائدة تكفي فلجأت إلى شراء السندات وضخ النقد. من خصائص أزمة 2008، أنها حصلت وأصابت بشكل خاص الدول المتطورة بدءا من الولايات المتحدة إلى أوروبا. الدول النامية بقيت متعافية نسبيا وليس بالصدفة، لأنها مارست خلال السنوات العشرة السابقة سياسات وقائية جنبتها الأزمة. هنالك أوقات مهمة تسمح للدول الناشئة بإعطاء دروس للدول المتقدمة وليس العكس كما يحصل عموما. مصارف الدول الناشئة كانت سليمة عموما وقوية برأسمالها ولم تغامر بالاستثمار بالأدوات السامة الخطرة التي اعتمدتها المصارف الغربية. قال «جو ستيغليتز» إن أزمة 2008 لم تكن قضاء وقدرا بل نتيجة أخطاء الإنسان وجشع المصرفيين وإهمال المسؤولين. كانت أزمة مؤسسات أكثر منها اقتصادية، وبالتالي تكمن المشكلة في القوانين والممارسات المتهورة عبر الإقراض والأدوات السامة المركبة. قالت «جانيت يللن» الحاكمة السابقة للمصرف المركزي الأمريكي ووزيرة المال المعينة في حكومة بايدن إن إحدى أهم وسائل السياسة النقدية هي التخاطب مع الأسواق أي إعلان أهداف المصرف المركزي وكيف سيحققها. هذا يسهل عملها ويخفف المخاطر الداخلية في الأسواق كما يؤثر على توقعات المواطنين ويخفف من ضبابية الأسواق. سياسة الشفافية هي إحدى أهم ركائز السياسة النقدية في رأيها. عندما تصل الفوائد إلى مستوى متدن، يجب على المصرف المركزي الارتكاز على سياستين أخريين أي الإعلان عن النوايا بصراحة كما شراء الأصول في الأسواق دون تحديد أي منها. عبرهما يساهم المصرف المركزي ليس فقط في تحقيق الاستقرار النقدي وإنما أيضا المالي الأوسع.