يقول "روبرت بلومين" كاشفا النقاب عن المستقبل الباهر الذي ينتظر علم الوراثة في ظل تسارع الاكتشافات ونتائج الأبحاث والتجارب العلمية، سوف "نتمكن قريبا من تحديد احتمال أن يكون مولودنا الجديد عرضة للإصابة بالاكتئاب، أو الحصر النفسي، أو الفصام طول حياته. وسنعرف مدى احتمال أن يعاني هذا المولود صعوبات في تعلم القراءة، أو السمنة أو مرض الزهايمر عندما يتقدم في العمر..." ويواصل رؤيته بالتأكيد على أن التقدم في هذا العلم "سيجعلنا أكثر تفهما للأشخاص الذين يعانون السمنة المفرطة أو الاكتئاب؛ وسيمكننا أيضا من دعم أطفالنا بشكل أفضل، بل التخطيط لمسار حياتنا على نحو أكثر فعالية، لكنه يخلص إلى بعض الاستنتاجات ومن بينها أن طرائق التربية التي يستعملها الأهل لا تؤثر كثيرا في الحصائل التي يحققها الأطفال عندما تؤخذ العوامل الوراثية في الحسبان...". إذن لماذا "يكون الأطفال الذين ينشؤون في الأسرة نفسها مختلفين جدا؟ فقد يكون أحد الأطفال منفتحا، والآخر انطوائيا..."، وفي الحقيقة كان هذا السؤال يلح علي بقوة وأنا أمضي قدما في قراءة صفحات الكتاب، الذي يسند نتائجه وخلاصاته إلى الدور القوي للوراثة في تشكيل هوياتنا السلوكية والتعريف بنقاط ضعفنا وقوتنا، يعزي الكاتب السبب في ذلك إلى ما يسمى "بالبيئة غير المشتركة"، التي تحتم في ظروف كثيرة على الأخوين التعامل والاحتكاك والعيش في بيئات منفصلة، والتعرض لمواقف وظروف فارقة في حياتهما، ومثالا على ذلك فإن أحداثا "نادرة، مثل الانتهاك يمكن أن تحدث أثرا هائلا لدى الشخص المنتهك..."، فالعوامل البيئية "خارج الأسرة – مثل المدرسة، والأقران والعلاقات..." تمثل تجارب وتحدث تأثيرات في معظمها غير مشتركة للأطفال في الأسرة الواحدة، حيث تؤكد الدراسات إلى أن أثر البيئة المشتركة محدود جدا مقارنة بالبيئة غير المشتركة، في السمات والخصائص السلوكية والأداء الدراسي، على عكس "التوريث الذي يزداد بصورة مستمرة من الطفولة حتى البلوغ، في حين أن "أثر البيئة المشتركة يتراجع خلال المراهقة". إن أثر التحولات العلمية في القيم والأفكار واليقينيات السائدة التي يؤمن بها الناس تظهر في عمق الصدمة وتسفيه وإهمال نتائج التجارب والحقائق العلمية مبتدأ، ولكن مع مرور الأيام وإعلان المزيد من الاكتشافات ينتصر العلم الذي يصبح السبيل الأمثل والوسيلة الأنجح لتحسين الحياة وإصلاح شؤون الإنسان وإخراجه من مسلمات الجهل والأفكار البالية. فقبل ثلاثين عاما كان من الخطير مهنيا دراسة الأصول الوراثية للاختلافات في سلوك الناس والكتابة عن ذلك في الدوريات العلمية... أما الآن، فقد جعل التحول الحاصل في روح العصر من الأسهل كثيرا كتابة هذا الكتاب. المخطط أو الجدول الذي استند عليه "روبرت بلومين"، يقدم مقارنة بين "نتائج الأبحاث الوراثية"، وما وقر في الفكر السائد على مستوى العلماء أو الإنسان العادي، فعلى سبيل المثال، يكون أثر الوراثة على "لون العينين" وفقا لنتائج "الأبحاث الوراثية" 95%، مقارنة ب77% في المعتقد الشائع، وفي "سرطان الثدي" 53%، فيما تثبت التجارب العلمية بأن نسبته فقط "10%"، تحدث هذه الدراسات والتجارب والاكتشافات العلمية المذهلة تحولات تسهم في تشخيص علل الإنسان النفسية والجسدية والسلوكية وتساعد على الفهم والتشخيص والعلاج...