هل يمكن اعتماد نظام السوق في القطاع الصحي؟ يطرح الموضوع بقوة مع محاولة إلغاء النظام الصحي الأمريكي المعروف بـ"أوباما كير" الذي يعترض عليه الرئيس ترامب بسبب تكلفته العالية ويريد استبداله بنظام آخر غير واضح المعالم حتى الآن. الكونجرس لم يتجاوب مع الرئيس خوفا من الغضب الشعبي ولأن مشاريع البدائل المقترحة ضبابية. يريد ترامب أن يسمح القانون الجديد للمواطن الأمريكي باختيار مقدِّم عنايته الصحية وشركات التأمين، أي إدخال المنافسة إلى القطاع مما يحسن نظريا من الخدمة ويخفض التكلفة. هل يملك المواطن المعلومات الكافية لاختيار مقدم الخدمة الصحية؟ ليس مؤكدًا إذ إن المواطن العادي لا يتمتع بالكفاءة العلمية لاختيار الأنسب في الصحة. في كل حال، نظام السوق الجيد والفاعل هو الذي ينشر كل المعلومات للجميع لاختيار الأفضل، وهذا ليس متوافرا عموما في الصحة. هنا تكمن جدوى تدخل القطاع العام لتغطية النواقص في المعلومات والعلم والنوعية. من الضروري أن نبدأ بتحديد معنى الرعاية الصحية. تعرف منظمة الصحة العالمية الصحة الجيدة بالوضع المقبول من النواحي البدنية والعقلية والنفسية والروحية والثقافية كما الاجتماعية، وليس فقط غياب المرض أو وعدم جود إعاقة. فالصحة الجيدة هي نظام متكامل مترابط ينتج عنه إنسان جيد صحيا وعقليا ومنتجا. تتأثر الصحة بأمور كثيرة مترابطة منها التغير المناخي وتوافر الغذاء في الكمية والنوعية وتواجد المستشفيات ومراكز المعالجة الجيدة وغيرها. المجتمع الصحي هو مجتمع نظيف يحترم البيئة ويعالج النفايات ويمنع انتشار وانتقال الأمراض. كتب الاقتصادي "كينيث أررو" الحائز على جائزة نوبل للاقتصاد لسنة 1972 دراسة تقول بأن أسواق الصحة مختلفة عن الأخرى. إن الحاجة إلى الصحة غير معروفة أو مفاجئة. أما علاقة المواطن بالطبيب فهي فريدة وترتكز على الثقة والاهتمام والعلاقة الجيدة المتجانسة والشفافة. هنالك اختلاف كبير في المعلومات والعلم بين طالب الخدمة ومقدمها مما يمنع الوصول إلى النتيجة الفضلى كما في السلع والخدمات الأخرى. ليس من الممكن لطالب الخدمة الصحية اتخاذ القرار المناسب خاصة وأنه يجهل التكلفة النهائية التي يمكن أن تكون أضعاف ما توقع. رغم أن المعلومات بسبب الأنترنت أصبحت متوافرة أكثر للمواطن ويمكنه بالتالي تجنب العديد من الأخطاء، إلا أن المفاجآت تبقى ممكنة بل تحصل. عامل الثقة يبقى الأهم ليس فقط تجاه الطبيب وإنما مع شركات الأدوية والسلع الصحية التي لا يمكن للمواطن ولا حتى للطبيب أحيانا معرفة محتواها وتقييم نتائجها. يترك المواطن عمليا حياته وصحته في يد شركات تجارية تبغي الربح وتنتج هذه السلع التي يمكن ألا تعطي النتائج المنتظرة بل تعطي عكسها أحيانا فتنتج دعاوى قضائية. إن الشركات أو المستشفيات التي لا تحترم مصلحة المواطن ولا تقدم له الخدمات الفضلى تخسر في السوق، وبالتالي لا مصلحة لها في الإساءة للمريض فقط لجني الأرباح. في المجتمع، الناس تعرف عموما الطبيب الأفضل والمستشفى الأفضل وبالتالي تبقى السمعة الجيدة في غاية الأهمية.