"الاقتصاد السياسي للسيادة الغذائية في الدول العربية" 1/2

تعتمد محفزات أو بالأصح دوافع الحاجة إلى تأليف هذا الكتاب - الذي يتبوأ أهمية عالية كونه يتحدث عن أزمة الغذاء في العالم العربي وارتباطها الوثيق بالسياسة والسيادة واستقرار الدول وما يعتريها من علل وفوضى - على (ثلاث ظواهر تمثل خلفية هذا الكتاب، وهي: أزمة الغذاء العالمية في ٢٠٠٧-٢٠٠٨، والربيع العربي في ٢٠١٠-٢٠١١، وتنامي اقتناء الأراضي الأجنبية والتي تسمى أحيانا "الاستحواذ على الأراضي")، كونها كما يرى الكاتب أسبابا (ترتبط ارتباطا وثيقا فيما بينها، كما أنها جزء من اقتصاد سياسي جديد للأمن الغذائي في المنطقة العربية،). مؤلف الكتاب هو جين هاريغان، وترجمه إلى العربية أشرف سليمان، ضمن سلسلة (عالم المعرفة)، التي تصدر عن (المجلس الوطني للثقافة والفنون والآداب) بالكويت. ينبه الكاتب إلى نقطة في غاية الأهمية فيما يتعلق باستخدام مؤشرات قياس الأسعار في (الاقتصادات المتقدمة)، كونها تتجاهل (ارتفاع حصة الغذاء في النفقات بالنسبة إلى الفقراء، والآثار غير المباشرة لنمو الدخل على أنماط الإنفاق للمستهلكين الأغنياء. ونتيجة لذلك، فإنه لا يعكس الآثار الحقيقية لارتفاع أسعار الغذاء على الفقراء). يعرض الكاتب في تعريفه للأمن الغذائي إلى عدد منها، ويعود السبب في تباين صياغتها وفهمها إلى تخصص المؤسسة والعالم المنتمية إليهما وارتباطهما بهذا الملف الحيوي الذي تتعدد تداولاته ومفاهيمه وعلاقاته بين السياسي والاقتصادي والاجتماعي، لكن (التعريف الذي اعتمده مؤتمر القمة العالمي للأغذية في روما في العام ١٩٩٦م، حاز قبول المنظمات الدولية، وهو الذي ينص على أنه "يتحقق الأمن الغذائي عندما يمتلك جميع الناس، في كل الأوقات، إمكانية الوصول المادي والاجتماعي والاقتصادي إلى الغذاء الكافي والآمن والصحي، والذي يعمل على تلبية احتياجاتهم الغذائية، وتفضيلاتهم الغذائية لحياة مفعمة بالنشاط والصحة"). يعرج الكاتب إلى ملاحظة مهمة جدا تشكل أيضا دافعا لكتابة نصوصه، إذ تعد البلدان العربية من أكثر المناطق (اعتمادا على الواردات الغذائية في العالم)، وهي واحدة من أشد المخاطر التي قادتها إلى (صعوبات اقتصادية واجتماعية)، كما (ازداد العجز التجاري والمالي، فضلا عن زيادة التضخم، وبروز الفقر والمشاكل التغذوية). اجتهد الكاتب في تقديم صورة شاملة لملف الأمن الغذائي، وعرض في بحثه لتفاصيل دقيقة وملاحظات قيمة ورؤى وأفكار استخلصها من النتائج التي توصل لها على ضوء قراءاته لمشهد الأمن الغذائي في العالم العربي على مدى أكثر من ثلاثة عقود، وأبلغه اجتهاده إلى إعداد تصنيف يجمع الدول العربية في مجموعات رتبها بحسب قدراتها في تحقيق المستويات المعترف بها عالميا من الإشباع لشعوبها وتحقيق الاكتفاء الغذائي، وتأتي البلدان الخليجية ضمن الفئة التي تعتمد على (الواردات المرتفعة للحبوب)، كونها تتمتع بفائض مالي، (نظرا لقاعدة صادراتها النفطية، ومن ثم فهي غير معرضة للصدمات العالمية في أسعار الغذاء - فهي تستطيع تحمل أسعار استيراد أعلى - ولكنها معرضة لمخاطر الكمية مثل الحظر التجاري أو حظر التصدير من جانب البلدان المصدرة للأغذية في أوقات النقص)، ولا بد من الإشارة إلى أن هذا التصنيف أعد قبل تراجع الموارد المالية وتآكلها بسبب انخفاض أسعار النفط في الأسواق العالمية، أي ما قبل ثلاث سنوات، وما يواجهها من تحديات كبيرة، والذي سيشكل مخاطر هائلة على سياسات الأمن الغذائي في بلدان الخليج، فصادرات (المنطقة تتركز في صادرات النفط، حيث يأتي منها ما يقرب من ٧٠% من العائدات، الأمر الذي يعرض المنطقة لمخاطر الأمن الغذائي عن طريق التقلبات في أسعار النفط) .