تكلفة الوقود البحري ورأس الرجاء الصالح

تراجع أسعار النفط والرسوم عوامل أساسية مُنذ هبوب رياح الكساد التجاري وشركات النقل البحري في بحث مُستمر عن المُتاح من آليات لخفض التكاليف، وسُبل الاستغلال الأمثل لأصولها، ويبدو أن تفضيل السفن العاملة بالخطوط الملاحية بين القارة الآسيوية وبين القارة الأوروبية والأمريكية سلوك طريق رأس الرجاء الصالح برحلاتها بالفترة الماضية، عوضاً عن العبور من قناتي السويس وبنما، إحدى تلك الآليات، مُستفيدةً من تراجع أسعار الوقود البحري. فانخفاض أسعار الوقود بنسب تخطت 35% ببعض المناطق، زاد من جدوى تزود السفن بكميات أكبر منه، لتعزيز قدرات إبحارها بالخطوط الملاحية بسرعات أعلى ولمسافات إضافية، والاستفادة من تجنب دفع رسوم العبور بالقنوات الملاحية. فسفينة الحاويات التجارية الحديثة مثلاً، والتي تتخطى سرعة إبحارها عادةً 20 عقدة بحرية، عند إبحارها من ميناء شنغهاي بالصين إلى بيروز باليونان، تقطع ما يزيد على 7.800 ميل، مختصرة ما لا يقل عن 6 آلاف ميل بسلوكها قناة السويس عوضاً عن رأس الرجاء الصالح، مُستغرقةً ما يقارب 14 إلى 15 يوماً للوصول، وذلك عند الإبحار بمعدل سرعة 22 عقدة، بتوفير 13 يوما بالرحلة في حال تفادي قناة السويس، آخذين بالحسبان أحوالا جوية مُلائمة. أما بالنسبة لناقلات النفط، فهي عادةً تُبحر بمُعدلات سرعة أقل، تصل لنصف سرعة سفن الحاويات الحديثة، مما يعني فترات إبحار أطول، كما أن الناقلات ذات الحمولات التي تزيد على 240 ألف طن لا تستطيع المرور بقناة السويس دون خفض حجم حمولتها، عبر خط أنابيب سوميد، أي حاجتها لوقت إضافي لإعادة تحميل تلك الكميات مرة أخرى بميناء سيدي كرير بالإسكندرية، وهو قد يجعل المرور عن طريق رأس الرجاء الصالح مُجدياً بالنسبة لها. فخلافاً لكون الإبحار حول القارة الإفريقية عوضاً عن العبور بقناة السويس، قد يوفر ما يصل إلى 230 ألف دولار بالرحلة، مع فرص توفير المزيد من النفقات برحلات عودتها عند الإبحار بمعدلات سرعة مُنخفضة في أعالي البحار، إلا أن غالبية السفن مُلتزمة بجداول تسليم مُتقاربة، الأمر الذي يدفعها للاستمرار في العبور من قناة السويس وتكلُف رسومها، لتحقيق التزامها بتلك الجداول، وكذلك هو الحال بالنسبة للسفن التي تنقل البضائع الغذائية والتي تفضل أسرع الطرق نظراً لطبيعة شحناتها. فالالتزام بالجداول الزمنية من أهم أسباب تمسك مُعظم السفن بعبور قناة السويس، إلا أن الظروف الاقتصادية المضطربة وانخفاض سعر التزود بالوقود، خلق مُنافسة فعلية لها، ومع أن السفن التي قامت بذلك بالربع الأخير من العام الماضي لم تتجاوز 1% أو (115 سفينة) من إجمالي السفن التي عبرت بالقناة، إلا أن إيراداتها تراجعت بما يناهز 300 مليون دولار عن العام 2014، وهو ما يعني مواجهتها لتحديات انخفاض أعداد السفن المارة بها، ما لم تتحسن أوضاع السوق أو قامت بتخفيض الرسوم التي تفرضها على السفن المارة بها.