النمو قبل الأزمات

تحاول كل الدول تحقيق نمو اقتصادي قوي ومتواصل، القليل منها ينجح لأن النمو يتطلب وجود مناخ عام مناسب وقطاع خاص حيوي يستثمر في الاقتصاد.  لكن النمو القوي يحمل في نفس الوقت في طياته بذور الأزمات التي تضر به.  النجاح يسبب عموما الغرور كما الثقة المتزايدة بالنفس، وبالتالي ترتفع فرص الفشل الكبير. كل ما كان النمو قويا، كل ما كانت الأزمات اللاحقة أكبر وأعمق وأطول. في الماضي حصلت أزمات عالمية كبيرة كل عشر سنوات، ومن الممكن أن يتكرر ذلك قريبا حيث إن الأزمة الأخيرة الكبرى حصلت في 2008 - 2009. ما سبق أزمة 2008 كان النمو القوي الذي ترافق مع ارتفاع فجوة الثروة والدخل التي عمقت الغضب الشعبي.  لم يقتصر هذا الواقع على الدول الصناعية، بل حصل أيضا في الدول الناشئة والنامية. حصة الأجور من الدخل الوطني انخفضت مع النمو، حصة أرباح الشركات ارتفعت كما حصة الأغنياء الكبار ارتفعت كثيرا وبالتالي حصل الشرخ الاجتماعي الخطير. اتكلت الدول الناشئة على الصادرات، فحركت سعر الصرف كي تصدر أكثر ونجحت. لكن النجاح لم يدم طويلا، إذ إن التكلفة الاجتماعية المتزايدة للسياسات النقدية فاقت كل الأرباح المالية ووقعت الأزمة. المشكلة الصحية التي تضرب العالم ربما أخرت الأزمة المالية الاقتصادية المتوقعة. الأزمة "الكورونية" ضربت الإنسان ليس فقط في جيبه وإنما خاصة في صحته وعمره المرتقب وإنتاجيته وبالتالي في مستقبله. أزمات اليوم أعمق من الماضي لأنها ليست فقط مادية بل هي نفسية وعقلية أيضا.  الإنسان العالمي محبط هذه الأيام بسبب التشاؤم والقلق الموروث ليس فقط من الكورونا وإنما أيضا من سوء الأداء السياسي العام.  تصرفات الرئيس الأمريكي السابق والبرازيلي الحالي على سبيل المثال بشأن الكورونا مقلقة حيث عمليا ينكران حصول الفيروس. الأوضاع اليوم خطيرة ليس فقط بسبب الكورونا وإنما أيضا بسبب التطرف الذي نشهده دوليا حتى من قبل القادة الكبار. الشعور العرقي والجنسي قوي. يؤثر هذا التصرف على الصحة والتعليم كما يمس بالأخلاق نظريا وممارسة. إزالة كل التماثيل والشعائر الماضية تحاول إلغاء التاريخ أو نسيانه، لكن في نفس الوقت تعطي دروسا للمستقبل أي في ضرورة تغيير التصرف. العلاقة بين المواطن والمسؤولين أصبحت مختلفة كليا عن الماضي، أي أن المواطن يحاسب اليوم في السر أو العلن وبالتالي على المسؤول التنبه لمشاعر المواطن. النمو يحمل في طياته بذور الأزمات لكن الاستقرار الاقتصادي العام ضروري كي يحصل نمو.  في لبنان اليوم نعرف ما هو غياب الاستقرار الذي يزعج المواطن خاصة الطبقات الوسطى وما دون. العيش في ظروف عدم استقرار مزعج. مررنا فيه أيضا سابقا في لبنان أي فترات الثمانينات. خصائص عدم الاستقرار الاقتصادي في لبنان هو سقوط النقد وعودة التضخم وهذا ما حصل أيضا في الثمانينيات. من خصائصه غياب النمو وارتفاع البطالة وزيادة الفقر،  ظروف صعبة لا نحسد عليها بل مؤلمة لمن يعيش ضمنها.