ما زال العالم بعد مضي ما يقارب العام والنصف، رهينة لأحداث وانعكاسات جائحة «كورونا» الكارثية، التي تقضم شيئا فشيئا منجزات البشرية الحضارية، العلمية والاقتصادية والتنموية، وتنمي خوفها من المستقبل وتأخذ المزيد من الضحايا في الأرواح وتنهك المؤسسات الصحية والموارد الاقتصادية... وكلما اعتقدنا بأن الانفراج قريب والإغلاقات وإجراءات الحجر فتحت وانتهى الوضع الحرج ولن نعود إليه مرة أخرى، يفاجئنا «كوفيد ١٩» بالمزيد من التعقيدات والتشابكات والخسائر الفادحة والتوقعات غير السارة والاحباطات والعودة بنا إلى المربع الأول. عالميا تتجلى في فضائنا، ثلاثة مشاهد مرتبطة بهذه الجائحة وتهيمن على الواقع وتتحكم في قرارات وسياسات بلدان العالم، وهي: أولا: صراع الدول على اللقاحات وتنافس كل دولة على تطعيم أكبر عدد من مواطنيها للتعافي السريع وتحقيق استقرار مجتمعي وصحي واقتصادي، وضمان عودة الحياة إلى طبيعتها المعهودة ومزاولة الناس لأعمالهم وممارسة برنامجهم اليومي في وضع خال من القلق ومن إجراءات العزل والحظر.. ولا شك بأن الدول المتقدمة التي استثمرت بسخاء في سوق العلم والمعرفة وبدأت مبكرا عمليات البحث والاختبار هي التي سجلت براءات الاختراع وتوصلت إلى لقاح ناجح ل«كوفيد١٩»، والدول التي تملك الموارد واقتصادها قوي وقرأت المستقبل بذكاء ودقة وسجلت اسمها مقدما كانت لها الأولوية في الحصول على اللقاحات وتمكنت من تحقيق مؤشرات وتصنيفات متقدمة في تحصين مجتمعاتها، ومثالا على ذلك علقت الهند تصدير لقاح «أسترازينيكا»، الذي يصنعه معهد «sll» وذلك لتلبية الطلب المحلي بعد ارتفاع عدد اصابات كورونا داخل الهند. وقد وصف الخبراء بأن العام ٢٠٢١م سيكون بدون منازع «حرب الحصول على اللقاحات» فيما هيمنت هذه الحرب المستعرة فعلا على الاجتماعات واللقاءات والقمم الأوروبية «ما يعني أنها سوف تطيل بقاء هذا الفيروس. وفي المقابل تشير التحليلات وآراء الخبراء إلى أن الدول لن تكون بمأمن من هذا الوباء حتى لو حصنت جميع مواطنيها الا بحصول ما لا يقل عن "٧٠%" من سكان العالم على التطعيم، أما إذا أغلقت حدودها بالكامل وعلقت كل أشكال الحركة والسفر من وإلى الخارج فقد تكون آمنة من "كوفيد ١٩" ولكنها ستعرض اقتصادها للانهيار وهو أمر مستبعد بالتأكيد. ثانيا: التوالد المستمر لسلالات من "كوفيد١٩"، وكل سلالة تصدر نسختها الجديدة إلى العالم تكون هي الأقوى والأشد انتشارا وفتكا وقدرة على إلحاق الضرر، والأذكى كذلك في صراعها مع الأمصال والأدوية المضادة لها، والتي تتطلب المزيد من التجارب والتطوير وانفاق الأموال لتتمكن من إضعاف وتحجيم انتشار السلالات والتضييق على تطورها، فالعالم إذن في صراع متواصل مع هذه السلالات لا يعلم منتهاه، ولا يوجد تنبؤ يمكن الاطمئنان إليه يحدد مرحلة التعافي الحقيقية من هذه الجائحة. ثالثا: إن دول العالم ما تزال في محنة من أمرها بين فتح مشروط لأسواقها وأنشطتها التجارية والسياحية والترفيهية، وبين العودة إلى إغلاقات جديدة وإجراءات حظر وتضييق على السفر والحركة وعلى الأنشطة السوقية.. والضحية هو الاقتصاد الذي يشهد المزيد من فقدان الوظائف والانكماش. وفي تغريدة لي على حسابي في التويتر عبرت فيها عن هذا الواقع "بين صحة المجتمع وقوت يومه، بين وقاية المواطن من «كوفيد19» وضمان استمرار دخله المتواضع أصلا من مشروعه الصغير أو مهنته البسيطة، بين حماية المؤسسات الصحية من الانهيار والخوف على الاقتصاد من الانزلاق، تصبح الحكومات أمام خيارات صعبة ومحدودة في مواجهة هذا الوباء، إنها المحنة في أعمق تجلياتها".