بنى بيتاً في زاوية الغرفة وظل ينتظر عودتي في كل يوم ليستأنس في وجودي وحركتي داخل الغرفة، يتحرك في الاتجاهات التي أتحرك بها، ينام عندما أَطْفِئ الضوء ويصحو معي صباحاً، رتَّبَ حياته على نمط حياتي وعاش دهراً يظن أنني صديقه المقرب، إلى أن جاء يوم ولاحظت وجود العنكبوت في زاوية الغرفة والذي أراه لأول مرة فبادرت لإزالته وتنظيف المكان، سقط العنكبوت وهرب من الغرفة ولكنه ما لبث أن مات، ليس من ألم السقوط ولكن من ألم الخيانة من صديقه الذي بناه في خياله وصدَّق ذلك وآمن به فلم يطاوعه عقلة إلا أن يكون كذلك.
إنه من الخطأ الجسيم أن يعيش الفرد منتميا إلى أشخاص أو أشياء أو مبادئ دون أن يكون هنالك تفاعل حقيقي ومتبادل مع تلك البيئة المحيطة، فكم من إنسان أحب شخصا آخر وبقي الحب في قلبه إلى أن تركه ذلك الشخص الذي لم يعلم أصلا بوجوده مما سبب له الألم الشديد، وكم من موظف عمل جاهداً في مكانه وتميز في أدائه دون أن يعلم عنه رب العمل وكم من قائد ملهم انقلب على فصيل من أتباعه المخلصين لهم دون أن يعلم ذلك، والأمثلة كثيرة مثل عنكبوت الغرفة الذي ظن أنه صديقي ولكن دون أن أعلم بوجوده.
إن إبقاء مسافات متفاوتة عن كل الأشخاص يجعلنا في أمان من رفع مستوى التوقعات، ويمكن القياس على ذلك على مستويات متعددة، فالمبالغة في الثقة بالنفس قد تؤدي إلى الوقوع في المشاكل إذا حمَّل الإنسان نفسه أكثر مما تحتمل، وتأسيس شركة كبيرة مثلا فوق قدرة استيعاب السوق لها سيؤدي أيضاً إلى الخسارة لا محالة، وعلى ذلك قس كل مناحي الحياة.
إن الواقعية والموضوعية والتعرف على الإمكانيات والتعامل مع البيئة المحيطة بدون مبالغة وبتفاعل متبادل مستمر يؤدي بالنهاية إلى عدم حدوث المفاجآت ورفع مستوى التوقع الذي يؤدي إلى تقليل الخسائر بكل أشكالها على المستوى الشخصي والمؤسساتي وحتى الدولي في العلاقات البينية، مات العنكبوت صاحب القصة حزنا وقهراً من صديقه الذي لم يكن صديقه، بل ظن أنه كذلك، لم يمت من السقوط ولكن هو من كان السبب لأنه لم يضع الأمور في نصابها الصحيح، وأخيراً لا تكن أنت عنكبوت الغرفة، بل كن صاحب البيت، وإلى أن نلتقي هذه تحية وإلى اللقاء.