يجب أن يكون الفساد عيبا يسبب محاسبة الفاسدين ضمن القوانين، هنالك أمور تعتبر فسادا في مجتمعات ومقبولة في أخرى، لذا يجب أن يكون الفساد موصوفا بشكل دقيق. تجري منظمة الشفافية الدولية تقييما لكل الدول حول فسادها وتنشره سنويا. كذلك الأمر بالنسبة للديمقراطية حيث لها أشكالها. لا شك أن الجشع هو شر كبير، بل أسوأ الصفات ويحرك مشاعر الإنسان سلبا نحو المادة. هنالك من يبيع مثلا 300 بطاقة لحضور حفلة تحتوي على 100 مقعد. هذا مثال بسيط لتصرفات يمكن أن تكون أخطر، أي مثلا في قطاعي الصحة والتعليم. من يقوم بأعمال التجسس عبر الهاتف أو التنصت في المؤتمرات هو فاسد وإن لم يكن وراءه ابتزاز مالي، بل سياسي فقط. فضيحة «ووترغيت» في واشنطن أطاحت بالرئيس نيكسون في السبعينيات وهنالك فضائح مختلفة كادت أن تطيح بالرئيس كلينتون ويمكن أن تطيح مستقبلا بالرئيس ترامب. المحاسبة ضد الفساد أصبحت أقوى اليوم كإقالة الرئيس موغابي في زيمبابوي ورؤساء في أماكن أخرى كالبرازيل. كيف يؤثر الفساد على الديمقراطية؟ المال هو عصب الانتخابات، وبالتالي مصادر المال مهمة أي يجب أن تكون شرعية. الانتخابات تكون أسهل لمن له ثروة يستعملها لتمويل الإنفاق وتسيير الحملة. لا ندخل هنا عمليات شراء الأصوات، إذ تبقى غير شرعية لكنها تحصل. هنالك شراء غير مباشر للأصوات عبر تنفيذ مشاريع في مناطق مدروسة تؤثر على توجيه الأصوات نحو مرشحين أو أحزاب أو تيارات مفضلة. يبنى الفساد على قوانين سيئة وممارسات أسوأ تنتج سوء عدالة. مثلا في الولايات المتحدة يشكل أصحاب الملايين 3% من الشعب و15% من المقترعين مما يدفع الدولة ومؤسساتها أكثر نحو تأمين مصالح الأغنياء. 1% من الأمريكيين يمولون ثلثي تكاليف الحملات الانتخابية، مما يفسر تأثير قوى المال على المنتخبين وخطابهم. هذا النوع من «الفساد» شرعي لكنه يؤثر على واقع ومستقبل البلاد. المحتجون مؤخرا في فرنسا يتهمون الرئيس ماكرون بالانحياز نحو الأغنياء ويطالبونه بالاستقالة. من المرشحين الـ 21 في الانتخابات الرئاسية الأمريكية الأخيرة، 18 كانوا من أصحاب الملايين. أكثريتهم لم تستعمل الثروة الشخصية لكن شبكات العلاقات التمويلية التي بحوزتهم تقوم بذلك وتوفر عليهم الوقت والمال. التعديل الضرائبي الأخير يعطي أمثال الرئيس ترامب أفضليات كبرى تزيد ثرواتهم وتعزز دخلهم. السياسيون يغتنون في معظم الدول بطرق شرعية وغير شرعية، الطرق غير الشرعية معروفة من سرقة أموال عامة إلى ابتزاز المتمولين وأخذ حصة من المشاريع العامة وغيرها. هنالك طرق شرعية تسمح لهم بالاغتناء عبر تأسيس الشركات والقيام بالمحاضرات خاصة عندما يخرجون من الحكم. حصل الرئيس السابق أوباما على 400 ألف يورو مقابل إلقاء محاضرة في باريس منذ أشهر. يقوم الرئيس كلينتون وزوجته بهذه النشاطات منذ سنوات وحققا ثروة مشتركة تقدر بـ 110 ملايين دولار. يجب تشجيع السياسيين على المشاركة في نقل تجاربهم إلى الأجيال الجديدة لكن ضمن تكلفة مقبولة.