سنغافورة.. الصعود من الفقر إلى الغنى (2-2)

نستكمل اليوم حديثنا عن تجربة تطور سنغافورة لتوضيح كيفية تحقيق إنجازاتها الاقتصادية، حيث اعتمدت سنغافورة في تحقيق معجزتها على بناء الإنسان، وهناك مجموعة أسس يمكن الاعتماد عليها في توضيح هذه المعجزة، أولها تبني نظام حازم لتحديد النسل، حيث لم تتجاوز نسبة زيادة السكان 1.9% في 1970 و1.2% في 1980، ما جنَّبَ البلاد كارثة الانفجار السكاني التي تمثل عائقا مخيفا للتنمية. أما الأساس الأهم فقد ارتكز على سياسة تعميم التعليم وتحديثه باعتماد أفضل المناهج في العالم، حيث تتصدر سنغافورة الأولمبياد الدولي في امتحانات المواد العلمية، واستطاعت أن تربط برامج التعليم بمتطلبات سوق العمل لديها، وجعلته قائمًا على الإبداع والابتكار، لا مقتصرًا على الحفظ والإطار النظري. اعتمدت سنغافورة بيروقراطية صغيرة الحجم ذات كفاءة عالية، قوامها حوالي 50 ألف موظف لا أكثر، وعلى درجة كبيرة من المهنية والتعليم والثقافة. وقد حرصت على أن يتم التعيين في الوظائف عبر مناظرات عامة مفتوحة للجميع، بحيث يحصل موظفو القطاع العام على رواتب تنافسية مثل القطاع الخاص، إن لم يكن أعلى (200 ألف دولار راتبًا سنويًا للوزير كمثال) إلى جانب الشفافية وانخفاض نسبة الفساد الإداري والمالي. وقد مرت سنغافورة بمراحل متعددة باعتمادها على مجموعة من خطط التنمية الاقتصادية والاجتماعية، وكانت الأولى باتجاه التصنيع والاقتصاد المعرفي كضرورة حتمية لتحقيق معدلات عالية للقطاع الاقتصادي، وشملت قوائم صناعتها الرئيسية الإلكترونيات، والخدمات المالية، والمواد الغذائية، وإصلاح السفن، وكان الهدف الأكبر للتصنيع هو التصدير، لذلك عملت على استقطاب كبرى الشركات العالمية وتوطينها في سنغافورة مع تقديم تسهيلات ضريبية مغرية، بجانب الأيدي العاملة المؤهلة، خاصة في ميدان الصناعات الدقيقة. وتحركت الحكومة في السنوات الأخيرة للحد من الاعتماد على تصنيع وتصدير الإلكترونيات مقابل تطوير قطاع الخدمات، فضلًا عن تطوير الصناعات التقنية الحيوية والكيميائية والبتروكيميائية، وذلك بالتوازي مع سياسة تجارية مدروسة خلال هذه المراحل، حيث أدت التجارة دورًا حيويا في البناء الاقتصادي. وقد تخطت سنغافورة الأزمة الاقتصادية العالمية لعام 2008 واستعادت تنامي اقتصادها لتصبح عام 2010 أسرع دولة في انتعاش اقتصادها بنمو وصل إلى 17.9%، وتمكنت حكومة سنغافورة من تحقيق أعلى دخل للفرد سنويًا من ألف دولار عند الاستقلال إلى أكثر من 60.883 ألف دولار عام 2013، كما أنها استطاعت أن تصل بحجم الاستثمار الأجنبي المباشر داخل سنغافورة بما يزيد على 260 مليار دولار، في حين شكلت الاستثمارات السنغافورية في الخارج ما يتجاوز 300 مليار دولار. وختامًا.. كل هذه الأسس السابقة جعلت من سنغافورة خامس أغنى دولة في العالم، وصاحبة اقتصاد مرن يشمل كبرى الأسواق المالية التي تضم أكثر من 700 مؤسسة أجنبية و60 مصرفا تجاريا إضافة إلى بورصة مزدهرة لتبادل العملات الصعبة. وهي من أكثر بلدان الأرض أمنًا، كما أنها نموذج رائع في المحافظة على البيئة ومستوى المعيشة. إنها وباختصار تتفوق على الآخرين في كل شيء.