بدأت الاقتصادات العالمية في التحسن وتحقيق معدلات نمو أفضل، وذلك بعد مرور حوالي عشر سنوات على الأزمة المالية العالمية، والتي يراها الكثيرون من أخطر الأزمات المالية منذ فترة الكساد الكبير الذي ساد العالم في الفترة من (1929-1939)... حيث سجلت كل من الولايات المتحدة الأمريكية وأوروبا وآسيا والأسواق الناشئة انتعاشًا اقتصاديًا للمرة الأولى منذ التعافي القصير الذي حدث عام 2010. ولقد ألقت الانتخابات الهولندية ومن بعدها الانتخابات الفرنسية واقتراب موعد الانتخابات الألمانية بظلالها القاتمة على إمكانية عودة الأحزاب اليمينية المتطرفة إلى السلطة، وهي الأحزاب التي تنادي بالعزلة والحمائية، وذلك في ظل تراجع معدلات التفاؤل في بداية العام بسبب أزمة اليورو وتذبذب معدلات النمو بالأسواق الناشئة وانخفاض أسعار النفط حتى نهاية العام الماضي، بالإضافة إلى مخاوف انهيار الاقتصاد الصيني. وإذا كان النمو الاقتصادي في الولايات المتحدة الأمريكية قد ارتفع في عام 2017 فإن الكثير من الخبراء يصفونه بالسير في اتجاه الرياح المعاكسة، كما ارتفعت النفقات الرأسمالية اليابانية في الربع الأخير من العام الماضي بأسرع وتيرة لها في ثلاث سنوات، وزادت كذلك في منطقة اليورو بأعلى معدل منذ عام 2015... وإن أشارت بيانات المفوضية الأوروبية إلى تحقيق مؤشر ثقة الاقتصاد الأوروبي لأكبر ارتفاع منذ عام 2011 وبلوغ معدل البطالة في منطقة اليورو أدنى مستوياتها منذ عام 2009، بالإضافة إلى تراجع المخاوف السابقة بشأن الإنتاجية المفرطة للصين وانخفاض قيمة اليوان. وللتأكيد على تعافى النشاط الاقتصادي العالمي بخطى أوثق، فقد أوضحت البيانات والمؤشرات زيادة نمو صادرات كوريا الجنوبية في شهر فبراير الماضي بنحو 20%، كما حققت الشركات التايوانية أكبر توسع لها في 12 شهرًا متتاليًا... مع تزايد التوقعات بعودة الاقتصادات التي كانت تعانى الركود كالبرازيل التي تقلص اقتصادها خلال العامين الماضيين إلى زيادة إجمالي الناتج المحلي بها وتحقيق النمو في نهاية هذا العام، بالإضافة إلى إعلان معهد التمويل الدولي عن تحقيق العديد من الدول النامية لأسرع معدلات نمو شهرية بها في شهر يناير الماضي للمرة الأولى منذ عام 2011. ورغم ذلك فإن الكثير من الخبراء والمتخصصين يؤكدون على أن هذه البيانات والمؤشرات الإيجابية لا تعنى عودة الاقتصاد العالمي إلى سابق عهده، بالنظر للقلق المتزايد من تراكم الديون في الصين وضعف نمو الإنتاجية في العديد من الدول الغربية المتقدمة، وفي ظل تباطؤ نمو الأجور خارج الولايات المتحدة الأمريكية، وعدم ترجمة ارتفاع ثقة الأعمال في أمريكا إلى زيادة الاستثمارات حتى الآن. ويُجمع فريق الخبراء على أن ترسيخ عملية الانتعاش الاقتصادي الدائم إنما تتطلب توفير موازنات حساسة، كما يتعين على البنوك المركزية العالمية تشديد السياسات النقدية ضد المخاطر التي تتعرض لها أسواق السندات في ظل الارتفاع المتوقع لمعدلات التضخم، مع ضرورة العمل على تنظيف الميزانيات بشكل سريع والتوسع في تطبيق نظم الحوافز المالية.... وفي كل الأحوال فإن الأمر المؤكد الحدوث هو نمو الاقتصاد العالمي هذا العام بوتيرة أسرع وأفضل من العام الماضي.