لا يمكن للشعبوية أن تنجح مع الوقت أي مع ممارسة أفكارها الخاطئة أو غير المدروسة المبنية على رفض الأفكار السابقة. ما نشهده في فنزويلا مهم ويعتبر مثالا كبيرا للشعبوية الممارسة مع الرئيسين شافيز ومادورو خلال سنوات والتي لم تنتج الا خرابا في دولة غنية ومع شعب نشط يفتقر اليوم الى أهم السلع المعيشية ويحاول الهرب من الفقر والمغادرة الى الدول المجاورة. هنالك شعبويات كثيرة وعميقة في الدول العربية حيث تحرك الخطابات السياسية غير المبنية على الواقع والعلم والرؤية الشعوب، وتدفعها الى الممارسات المسيئة والمضرة. طبعا أكثرية الشعوب العربية لا تؤمن بالعنف لكن المشكلة تكمن دائما في أن أقلية متطرفة تتحكم بتوجهات الاكثريات. عايشنا في لبنان هذه الوقائع الشعبوية بدءا من سنة 1975 وما زلنا نتخبط فيها مع التأخير غير المبرر وغير المقبول في التشكيل الحكومي الحالي. حتى أوروبا، عانت وتعاني من شعبويات مختلفة، لم ننس هتلر ولا ننسى أحزاب اليمين واليسار المتطرفة التي تبني انتصاراتها على أفكار غير واقعية ولا مجال لتنفيذها. شعبوية «دونالد ترامب» أيضا واضحة وها هو يعدل بعضا من الأفكار السياسية والاقتصادية قبل الانتخابات النصفية والتي سوقها سابقا لأن الوقائع وهموم الناس لا تسمح له بتحقيقها. تعديل الأفكار الشعبوية يهدف الى تحسين النتائج لأن هذه الموجات لا تنبع من الفراغ بل تستغل بعض النواقص والضعف لتنمو. يقول الاقتصادي «داني رودريك» أن من أهم نتائج الشعبوية أنها أفهمت العالم أنه يجب تعديل مسيرة العولمة بحيث تقوي منافعها من ناحيتي النمو والتنمية. يقول «تيموتي غايتنر» وزير المالية الأميركي السابق في كتابه عن الأزمة المالية العالمية أن «الركود الكبير» بدأ من 2008 كانت الأزمة المالية الأسواء منذ كارثة 1929. مع أن العالم تخطى أسوأ مفاعيل هذه الأزمة الا أن نتائجها ما زالت تظهر في المؤشرات الاجتماعية والسياسية. وضعت المجالس النيابية قوانين لتشديد الرقابة وحماية المواطن والمستهلك تجنبا لحدوث أزمات مستقبلية مشابهة، منها رفع ضمان الودائع من 100 ألف دولار في الولايات المتحدة الى 250 ألف. تنعم المصارف اليوم برؤوس أموال أقوى واحتياطات أكبر مما يسمح لها بمواجهة المخاطر المحتملة. تحتوي ميزانيات المصارف على نسبة أقل من الديون القصيرة الأجل مما يقلل من خطورة الافلاس الذي لا يقتصر عموما على مصرف واحد انما يضرب النظام بأسره. هل يمكن القول أن الاقتصاد العالمي تعافى وأننا أصبحنا نعيش في أمان مالي ونقدي واقتصادي؟ يقول «غايتنر» أن المخاطر ما زالت موجودة اذ مهما كانت الاصلاحات مهمة وعميقة لا يمكن أن تحمي النظام المالي والمصرفي كليا من المخاطر ومن امكانية السقوط. تأتي المخاطر عموما بشكل مفاجئ نتيجة سوء التحضير بل الاهمال وعدم التعلم من تجارب الماضي. كما ترتبط درجة المخاطر بنوعية السياسات المعتمدة من قبل السلطات السياسية. هنالك تخبط دولي في اتخاذ القرار يرفع من مستوى المخاطر العامة.