حول رفع سن التقاعد

من غير المعقول مقارنة وضعنا مع الدول التي تتمتع باقتصاديات قوية يبدو أن بعض الدول الخليجية تعتزم رفع سن التقاعد لمواطنيها إلى ما فوق 60 عاما وذلك في محاولة لوقف العجز المالي المتوقع في صناديق التقاعد، مما يعني جعل الموظف يعمل لفترة أطول حتى لا يتكبد صندوق التقاعد أي عجز مالي مستقبلاً. وحسب تصريحات بعض المسؤولين فإن الوضع الحالي للصناديق التقاعدية لا يفي بمتطلباتها تجاه المشتركين على المدى البعيد. ودفاعا عن ذلك يتحدث أولئك المسؤولون بأن رفع سن التقاعد يعتبر أمرا ضرورياً وطبيعيا وقد طبقته دول عديدة في أوروبا وأمريكا وغيرها. بينما يقول المعارضون إن هذا سيؤدي إلى التفريط في الحقوق الاجتماعية للعمال. لا يختلف اثنان على أن هناك دولا عديدة قامت برفع أو تخطط لرفع سن التقاعد، فعلى سبيل المثال في الولايات المتحدة الأمريكية يبلغ سن التقاعد 66 عاما لكل من الرجال والنساء وفي ألمانيا واليابان 65 عاما وسويسرا 65 عاما للرجال و64 عاما للنساء وإيطاليا 62 عاما و5 أشهر للرجال و62 عاما للنساء. ولكن السؤال هل يحق لنا أن نقارن وضعنا الاقتصادي ومجتمعاتنا بتلك الدول المتقدمة؟ أولا يعتبر نظام التقاعد من الأنظمة الهامة التي تلعب دورا إستراتيجيا في الحياة الاقتصادية لأي مجتمع، كما أنه يصعب تغيير ذلك النظام من دون المس بالمستوى المعيشي لنسبة كبيرة من أفراد المجتمع فكافة العاملين من نساء ورجال ومسؤولين وموظفين ينظرون إلى نظام التقاعد نظرة مستقبلية وكمصدر استقرار مالي لحياتهم ما بعد بلوغ سن التقاعد، فأي قرار بتغيير في هذا النظام سيؤثر على وضعهم المعيشي المستقبلي. وهذا النظام لا يعني المتقاعدين فقط وإنما جميع العاملين الذين يأملون يوما ما بتقاعد مريح في نهاية خدمتهم الوظيفية، ولذلك يعمل الموظف على تحسين وضعه الوظيفي وراتبه الأساسي وزيادته على أمل أن ينعكس ذلك على معاشه التقاعدي. ولذلك ولضمان تحقيق الاستقرار المالي للمتقاعدين تدعم كثير من الحكومات صناديق التقاعد فمثلا في ايطاليا تنفق الدولة أكثر من 14 في المائة من الناتج القومي على المتقاعدين، وفي فرنسا تنفق الدولة حوالي 13 في المائة على المتقاعدين. أما بالنسبة لتلك الدول الغربية التي رفعت سن التقاعد إلى 65 و70 عاماً، فإن هذه الدول أولاً لم تتخذ مثل هذا القرار دون أن تعطي فترة سماح للموظفين لمراجعة وضعهم الوظيفي ودراسة الخيارات المتاحة أمامهم قبل رفع سن التقاعد. فعلى سبيل المثال عندما قررت ألمانيا رفع سن التقاعد من 65 إلى 67 عاما لم تقرر تنفيذ القرار في الحال أو في الإجازة الصيفية، بل طلبت تنفيذه في عام 2029، وكذلك فرنسا التي قررت رفع سن التقاعد من 60 إلى 62 عاما وحددت عام 2018 لتنفيذه وذلك بعد عرضه على البرلمان لتمريره، وكذلك الحال مع بقية الدول التي رفعت سن التقاعد. ثانيا من غير المعقول مقارنة وضعنا الاقتصادي والاجتماعي مع تلك الدول التي تتمتع باقتصاديات قوية وقادرة على خلق المزيد من فرص العمل لمواطنيها، وهذا شرط أساسي لضمان عدم حدوث اختلالات في سوق العمل بعد رفع سن التقاعد. كما أن معدل العمر في تلك الدول يصل إلى 90 عاما أو يزيد، أي أن لدى المتقاعد أكثر من 20 سنة ليستفيد من معاشه التقاعدي بينما في دولنا يصل معدل العمر إلى 70 سنة، أي سيكون لديه خمس سنوات فقط ليستفيد من حياته التقاعدية، عندها سيكون المواطن من الوظيفة إلى القبر. بالإضافة إلى ذلك، فإن غالبية المجتمعات الأوروبية تعاني من مشكلة ديموغرافية خطيرة، حيث إن قاعدة الهرم السكاني فيها يهيمن عليها كبار السن (ما فوق 60 عاماً) وأن النمو السكاني فيها بطيء ولذلك تحاول حكوماتها ترميم الفجوة الديمغرافية (سد النقص البشري) من خلال فتح الهجرة الأجنبية من بلدان العالم النامي وأيضاً من خلال رفع سن التقاعد كأداة لسد ذلك النقص في سوق العمل.