أدركت المملكة العربية السعودية أنه قد آن أوان الإصلاح والتحول الاقتصادي بالبلاد، وتنويع مصادر الدخل وزيادة الإنتاج والإنتاجية وتنشيط القطاع السياحي، وعدم الاعتماد على إيرادات النفط، وتعظيم دور القطاع الخاص في التنمية وخلق فرص العمل، وإخضاع الوزارات للمساءلة وطرح حصص من الشركات المملوكة للدولة بما في ذلك المستشفيات والمطارات وأكبر شركة نفط في العالم «أرامكو»، وأدركت حكومة المملكة كذلك أهمية وضرورة اللحاق بركب العالم المتطور والمتغير وفق رؤية علمية وعملية. ولتحقيق تلك الأهداف الطموحة فقد استعانت بأكبر الشركات والمراكز الاستشارية العالمية وفي مقدمتها شركة «ماكينزي للاستشارات الإدارية والاقتصادية» ومجموعة «بوسطن للاستشارات» وذلك لرسم خطط ومعالم هذا التحول الاقتصادي الكبير ودراسة فرص خفض النفقات بالبلاد وزيادة الإيرادات، والعمل عن قرب مع وزارة الاقتصاد والتخطيط على مشروعات وقطاعات غير مستغلة بالشكل الأمثل والأجدى والكفيلة بتوفير أكثر من ستة ملايين فرصة عمل. وهو الأمر الذي دعا مركز الأبحاث البريطاني «جلوبال ريسيرش» إلى التأكيد على تهافت الشركات الاستشارية العالمية على السعودية بشكل خاص والخليجية بشكل عام لما بها من فرص سانحة وواعدة، ودليلهم في ذلك أن تكلفة الاستشارات المقدمة للسعودية ستزيد هذا العام على 1.3 مليار دولار وهي أعلى بنسبة 60% عما كانت عليه قبل أربعة أعوام، وما يقال عن السعودية هو نفسه ما يقال عن بقية دول مجلس التعاون الخليجي التي أنفقت على الشركات الاستشارية في العام الماضي أكثر من 2,7 مليار دولار بارتفاع 10% عن العام السابق، وبما يعني هيمنة المملكة بمفردها على نصف سوق الاستشارات في الدول الخليجية. ويؤكد عدد من الخبراء والمتخصصين على الرغبة الحقيقية للمملكة في الإسراع بخطى الإصلاح والتطوير، ورجح هؤلاء الخبراء إسراع المملكة بعملية التحول الاقتصادي بالبلاد لتؤتي ثمارها في غضون فترة تتراوح بين ثلاثة إلى خمس سنوات بدلاً من تقديرات سابقة بتنفيذها خلال عشر أو عشرين عاماً، وأرجعوا الفضل في ذلك إلى الإرادة السياسية القوية للقيادة السعودية. وإنني أرى في كثرة عدد الشركات والمراكز الاستشارية الراغبة في تقديم خدماتها للحكومات الخليجية ميزة كبرى يجب استثمارها بالنظر إلى أن كثرة هذه الشركات تخلق بينها حالة من التنافس بما يؤدي إلى خفض الرسوم والأتعاب التي تتقاضاها هذه الشركات والمراكز والتي من المتوقع زيادة الاستعانة بخدماتها في السنوات القادمة في ضوء استضافة قطر لمونديال 2022، ومدينة دبي لإكسبو 2020، وتوسع السعودية في عمليات الخصخصة.. ولكن الأهم من ذلك هو بدء اهتمام دولنا العربية، وخاصة الخليجية منها بالدراسات والأساليب العلمية وبخدمات المراكز البحثية والاستشارية المتخصصة، والبحث عن سبل فعالة للإصلاح الاقتصادي والإداري، وتنويع مصادر الدخل من العملات الأجنبية، واتخاذ القرارات الاقتصادية الجريئة حتى ولو كانت «مؤلمة نسبياً»، وهو الأمر الذي تجلى في رؤية السعودية للتنمية والإصلاح في 2030.