التشريعات الرياضية والبعد الاقتصادي

لم يدر بخلد رجال القانون منذ زمن ليس ببعيد أن يصبح للرياضة تشريعات رياضية مفصلة ومتشعبة على كافة الصعد المحلية والإقليمية والدولية، وتنشأ من أجلها محاكم رياضية تختص بالفصل في النزاعات المنبثقة ذات الصلة بالعلاقات الرياضية، سواء أكانت ذات طابع رياضي بحت، أم ذات طابع رياضي اقتصادي مختلط، كما لم يخطر ببال المحامين أن تطوي حقائبهم ملفات تضم بين دفتيها صحائف دعوى أو مذكرات أو مستندات لقضايا تتصل بالشأن الرياضي، يروحون ويجيئون بها في أروقة وردهات وساحات محاكم رياضية خالصة، ويلجون بها سبيل قضاء متخصص، كما لم يدخل في دائرة توقعات أي قاض أنه سيفصل يوماً في قضايا رياضية ذات أبعاد اقتصادية مستنداً فى حكمه إلى نصوص تشريعية رياضية أو سوابق أحكام قضائية أو أعراف قانونية رياضية، وتكون موضوعاتها دائرة في فلك نزاعات الأندية واللاعبين والملاعب والاحتراف والتسويق والإعلان والترويج والمنشطات، ذلك أن البعد الاقتصادي والاستثماري للنشاطات الرياضية ظل حتى وقت قريب قابعاً في زوايا النسيان، سواء بالنسبة للعوام أم المتخصصين. لم يخطر على بال الكثير أن اللاعبين الحقيقيين هم ليسوا راكلي الكرة فحسب بل إن هناك مؤسسات وهيئات ودولا وشركات متعددة الجنسية وغيرها. لا يعرف الكثير عن عالم الرياضة إلا أسماء اللاعبين أو الأهداف التى تسجل في المرمى، بينما تظل الأرقام المسجلة فى سوق المال والأعمال أو الأسهم المحرزة فى البورصات العالمية عصية على الاهتمام، بمنأى عن التتبع، لم تراوح مكانها من الظل. ولم يعد كذلك الحكم في الملعب هو القاضي والميقاتي الوحيد الذى يصدر بصفارته أحكاما قطعية ونهائية، بل ان هناك مطرقة القاضي على منصة الحكم فى المحاكم الرياضية تصدر أحكاما قضائية تدرج في مجلدات السوابق القضائية، وتحتل مكانا فى الاجتهادات الخاصة بالفقه القانوني. ولم يعد المتفرج هو المقصود فى العملية الرياضية ليدلي بصوته بشأن قرارات الرياضة المصيرية، ولكن حتما قراره فى اختيار أى تذكرة يشتري لمشاهدة المباراة من مدرج المشجعين، أو قراره بالاشتراك في أى باقة فضائية، سيكون ذَا أثر. ومما لاشك فيه أن رقعة الاستثمار في حقل النشاط الرياضي آخذة في التمدد والتطور، حتى أصبح يصنف بقطاع الرياضة باعتباره قطاعا من القطاعات الاقتصادية الأساسية ذات المساهمة الحقيقية في الاقتصاد الوطني والدولي مثله في ذلك مثل القطاعات الاقتصادية الأخرى كالقطاع الخدمي أو الصناعي وغيرها، ويشكل نسبة تصل إلى 5٪‏ من دخل الاقتصاد العالمي، ويحقق دخلاً هائلاً للدول فعلى سبيل المثال يصل الدخل الإجمالي للنشاطات الرياضية في الاتحاد الأوروبي إلى 407 بلايين يورو ويوفر 15 مليون وظيفة. ويكفي في هذا الصدد أن تعلم أن مشاريع البنية التحتية التي تنفذها دولة قطر لاستضافة كأس العالم ستتجاوز تكلفتها 200 مليار دولار، وأن هناك مئات الملايين من الدولارات تنفقها الشركات التجارية نظير وضع اسمها على الملابس الرياضية للفرق العالمية مثل برشلونة وريال مدريد وغيرها، ناهيك عن مليارات الدولارات التي تتدفق من كل حدب وصوب على اقتصاد الدولة التي تنظم أي بطولة عالمية على إقليمها. ومن ثم فإننا نضحى أمام نظام ذي علاقات رياضية بأبعاد اقتصادية تحكمه قواعد قانونية منبثقة عن اتفاقيات دولية وسوابق قضائية وأعراف دولية تشكل في مجموعها تشريعا رياضيا متكاملا من أبرز مكوناته: (أولاً) القواعد المنظمة للتعاقد سواء أكان بين الأشخاص الاعتبارية الرياضية واللاعبين فيما يعرف بعقود الاحتراف، أم المتعاملين من الأفراد كعقود العمل والتوظيف، وعقود الإنشاء في بناء الملاعب أو المرفقات الأخرى مع الشركات.  (ثانياً) القواعد المنظمة للأخلاق والمصداقية الرياضية من أفراد ومؤسسات وكذلك الحوكمة الرشيدة للمؤسسات الرياضية. (ثالثاً) القواعد المنظمة لحقوق الإنسان فى عالم الرياضة بشكل عام، ورعاية حقوق الفئات المهمشة الدستورية والقانونية في ممارسة الرياضة والاستفادة من عائداتها. (رابعاً) القواعد المنظة للنزاعات الرياضية. (خامساً) القواعد المنظمة للتمويل الرياضي سواء ما تعلق منها باللاعبين أو النوادي الرياضية وهى التي تعالج الشروط والحقوق والواجبات الخاصة بعقود تمويل النادي لشراء اللاعب أو تلك العقود التي توقعها المؤسسات والنوادي الرياضية مع البنوك لتمويل مشاريعها الاستثمارية المختلفة. (سادساً) القواعد المنظمة للملكية الفكرية والعلامات التجارية للألعاب والمسابقات والفعاليات والنوادي والمؤسسات الرياضية بالإضافة إلى القواعد المنظمة للدعاية والإعلان. وكأي منحى من مناحي الحياة يحتاج النشاط الرياضي لمنظومة تشريعية حاكمة تحفظ للمتعاملين فيه حقوقهم، وتضع خطوطا فاصلة بين حقوقهم وواجباتهم، وحقوق وواجبات الآخرين، الأمر الذي يجعل من إماطة اللثام عن الأبعاد الاقتصادية والاستثمارية والتنموية لتلك المنظومة التشريعية حتماً مقضيا وهو ما سنحاول أن نعالجه ونسبر أغواره من منظور مقاصدي في الأسبوع القادم بإذن الله.