مع كل المآسي المتواصلة، لا بد من الحلم ببناء لبنان الجديد المبني على الشفافية والمحاسبة والمداورة في المسؤوليات. من أهم القوانين التي يجب وضعها لمحاربة الفساد فصل النيابة عن الوزارة، وهنالك أحزاب قامت بها طوعا ولا بد من جعلها إلزامية. السياسة خدمة للناس وليس العكس كما يحصل عندنا. يجب أن يبنى لبنان الجديد على المبادئ والقوانين المدنية، إذ لا مستقبل لنا ضمن القوانين والممارسات الطائفية والمذهبية. أولادنا يهاجرون ولبنان يفقر والمستفيدون من الانقسامات يزدهرون. بناء لبنان الجديد يرتكز على وجود أشخاص في المسؤوليات يتمتعون بالكفاءة والخبرة والنظافة المادية والفكرية. هؤلاء عديدون لحسن الحظ في لبنان وخارجه. لا بد من بناء مستقبل لبنان على مجموعة خطوات منها التدقيق الجنائي في المؤسسات العامة الرئيسية حيث الشبهات كبيرة ومنها مصرف لبنان ومجلس الإنماء والإعمار وشركة الكهرباء ومجلسا المهجرين والجنوب وغيرها. أهمية هذا التدقيق ليست فقط معرفة ما جرى في الماضي والمحاسبة، وإنما خاصة ردع من يفكر بالسرقة والهدر وسوء الإدارة مستقبلا. هذه المرحلة الانتقالية خطرة لكنها ضرورية لبناء لبنان الجديد. لا بد من العودة بهذا التدقيق إلى 1980 أي إلى فترة سابقة مهمة قبل الطائف يجب التعلم منها. في القضاء لا بد من قبول التشكيلات التي يضعها مجلس القضاء الأعلى ولا بد للاستقلالية من أن تتم وتحترم. لن تأتي الاستثمارات إلى دولة لا تحترم قضاءها. القضاء في أوروبا وأمريكا أقوى من السياسيين، وهذا ما تدل عليه التطورات بشأن الانتخابات الرئاسية الأمريكية ومحاكمة ساركوزي في فرنسا وغيرها. لأننا نتشبه دائما بالدول المتقدمة، لا بد من وضع قوانين تحدد المسؤوليات أكثر وتحترم الحريات وحقوق الإنسان كما المساواة بين جميع المواطنين. متابعة المفاوضات مع صندوق النقد الدولي مهمة جدا لأنها بداية الخلاص والمساعدات، ولأن الفرص الأخرى عمليا غير متوافرة. ضرورة عودة المفاوضات مع أفكار ومواقف وأهداف مشتركة يتفق عليها داخليا قبل التفاوض كي تكون كلمة لبنان موحدة وقوية. الجدية مطلوبة لأن التحديات كبيرة والفرص تضيق والبطالة تكبر والفقر يزداد. في السياسة النقدية وإذا عجزنا اليوم عن الانتقال إلى سعر الصرف الحر، لا بد من تحديد سعر صرف واقعي جديد لليرة تجاه الدولار يستطيع مصرف لبنان الدفاع عنه. المطلوب من مصرف لبنان المزيد من الشفافية الدورية تماما كما يحصل مع المصرفين المركزيين الأمريكي والأوروبي. ضبابية عمل مصرف لبنان المزمنة تضعف الثقة به. أما في المواضيع المالية، يجب التقشف بهدوء لأن خنق البلد والمواطن مضر جدا. لذا الإدارة المالية الرشيدة هي المطلوبة. بناء الإدارة النزيهة الحديثة التي تخدم المواطن هي أساس لبنان الجديد وقد عرفناها في الستينيات. فلنعود إليها لأن لا مستقبل لنا إذا ما استمررنا على ما نحن عليه. إذا استفدنا في لبنان هذه المرة من تجاربنا المرة لبناء المستقبل، نكون جديين وواقعيين ونخفف الخسائر آملين في أرباح مستقبلية.