الصحة ضحية التقشف

قال "روبرت كينيدي" في أذار 1968 إن الناتج المحلي الاجمالي يقيم كل شيء، الا العوامل التي تجعل الحياة ذات قيمة ومعنى. من هنا الدعوة السابقة والمستمرة لايجاد مؤشرات وطنية أفضل، علما أن التقييم الرقمي للمؤشرات الانسانية والنفسية يبقى في غاية الصعوبة. فالسياسات الاقتصادية الحالية تؤثر أكثر فأكثر على معنويات الانسان التي تنعكس بدورها على صحته في الجسم والعقل. فإذا نجح بعض المجتمعات في معالجة الأوضاع الصحية العادية أي في الجسم، فهنالك تقصير كبير في معالجة الأمراض النفسية والعقلية خاصة في الدول النامية والفقيرة. شركات التأمين بأكثريتها لا تغطي الأمراض النفسية والعقلية، علما أنها أخطر لكن ربما معالجتها أصعب وتكلف الكثير. طبعا نتائج المعالجات ليست مضمونة لكنها واجب شخصي وعائلي واجتماعي ولا بد من ادخالها في بوليصات التأمين المتخصصة. انعكاسات السياسات الاقتصادية لا تتوقف فقط على المادة أي على النمو والدين والعجز المالي، بل تصل اليوم أكثر فأكثر الى صحة الانسان المادية والنفسية أي عمليا الى الحياة والموت. ماذا ينفع الانسان أو الشعب اذا تحسن النمو وزاد اليأس لأسباب متعددة؟ ثروة أي مجتمع ليست فقط الانتاج الصناعي والزراعي، بل خاصة أوضاع المواطن الصحية التي تنعكس على الانتاج والاستهلاك. الاستثمار في الصحة هو في غاية الأهمية ويجب أن لا تطاله السياسات المالية التقشفية حتى خلال أسوأ الأزمات. تشير الوقائع الى أن الصحة لا تنعم بالحماية المالية والسياسية الضرورية ويجري في أكثرية الدول تخفيض أرقامها حماية للفساد في القطاعات الأخرى خاصة البنية التحتية حيث فرص السرقات أكبر وأوسع. التقصير بالاهتمام الصحي أضعف الأنظمة الوطنية وجعل المجتمع الانساني العالمي يصاب بجرح كبير من جائحة كورونا. تهدف سياسات التقشف الى تخفيض الانفاق والعجز وبالتالي تقليص نمو الدين العام. اعتمد التقشف خاصة خلال الأزمات في أكثرية الدول لكنه لم يعط النتائج الجيدة لأن أهدافه كانت فقط رقمية مادية ولم تعالج المشاكل الصحية التي طالت جميع المواطنين نتيجة الضيق الانفاقي. المواطن هو عامل ورجل أعمال ومستهلك ومنتج وبالتالي اذا كانت صحته سيئة ينهار الاقتصاد حتى لو كانت المؤشرات المالية سليمة. من النماذج الناجحة ما طبقه الرئيس الأميركي "روزفلت" من مجموعة سياسات انفاقية سخية في فترة صعبة أي 1933و1939 لانقاذ الاقتصاد. انخفضت البطالة وتمت معالجة الأوضاع المصرفية السيئة بعد كارثة 1929. ألزمت سياسات روزفلت الدولة الفيديرالية وليس الولايات الفردية التي تنعم بأنظمة مستقلة. هنالك ولايات طبقت سياساته وأخرى لم تفعل. أشارت الدراسات الميدانية لاحقا الى أن الولايات التي طبقت برنامجه تحسنت داخلها مؤشرات الصحة العامة، على عكس الولايات التي لم تطبقها. الواضح أن الرئيس بايدن يطبق نسخة جديدة من برنامج روزفلت حيث ينفق الكثير على المواضيع الصحية كما على التحديات الاجتماعية الكبيرة بالاضافة الى البنية التحتية. يواجه بايدن معارضات سياسية داخلية في كل ما يرتبط بالانفاق والضرائب والدين كما السياسات الخارجية.