«غرينسبان» والدروس

تتكرر الأزمات المالية والأسباب مختلفة وهنالك خوف عالمي اليوم من أن تحصل أزمة شبيهة بالركود الكبير. لا يمكن فصل القرارات السياسية عما يحصل في الاقتصاد، أهمها من ناحية التعيينات أي اختيار الشخص المناسب للمكان المناسب. «ألان غرينسبان» ترأس المصرف المركزي الأمريكي من 11 - 8 - 1987 حتى 3 - 11- 2006 اعتبر خلالها أنه أفضل حاكم في العالم. كان يعتقد أنه كان وراء النمو الأمريكي المتواصل خلال عهده الطويل، حققه عبر الضخ النقدي والفوائد المنخفضة. كان وراء تسمية «الاقتصاد الجديد» أي الاقتصاد الذي لا يعرف الركود بسبب التكنولوجيا وحسن استعمالها في الإنتاج والاستهلاك. ارتكز «الاقتصاد الجديد» على الإنتاجية المرتفعة التي تعطي نموا إيجابيا متواصلا، وبالتالي لا خوف من السقوط والانحدار لأن العوامل الإيجابية في رأيه دائمة. لكن السقوط حصل والأسواق انحدرت مرارا ليس أقله في سنة 2000 مع سقوط بورصات التكنولوجيا التي أخفقت توقعات غرينسبان وأظهرت أخطاءه، لكنه على ما تشير الدراسات الحديثة لم يتعلم منها. فهل كان بريئا أم هنالك مصالح حاول تحقيقها لحساب جهات معينة في السياسة أم الأعمال؟ فلنبدأ بتعديد الأزمات المهمة بدءا من سنة 1987 حيث سقطت الأسواق الأمريكية والدولية، فخسر المستثمرون ما جنوا من عرق الجبين. كانت هنالك أزمات شركات التوفير والإقراض S&L التي ضربت الاقتصاد الأمريكي في صميمه وأوقعت خسائر كبرى مالية فاضطرت الدولة إلى الإنقاذ من الموازنة. كان هنالك السقوط المدوي في آخر التسعينيات لصندوق LTCM الذي أوقع خسائر كبرى عند المستثمرين وضرب الثقة في الأسواق المالية الدولية. لفت سقوط الصندوق كثيرا لأن في مجلس إدارته شخصين مهمين هما «مايرون شولز» و«روبرت مورتن» اللذان حازا على جائزة نوبل للاقتصاد لسنة 1997 مما يشير إلى أن مخاطر الأسواق تبقى أهم من فعالية وصدقية العلوم وكفاءة الباحثين. سقوط أسواق التكنولوجيا في سنة 2000 معروفة عالميا وأثبتت أن الإنتاجية لم ترتفع بالشكل الذي اعتقده غرينسبان، وأن هنالك حسابات خاطئة سببت هذه الخسائر وربما غشت المستثمرين. لا ننسى الاستثمارات الكبيرة في غير محلها في الحواسب حيث كان الخوف كبيرا مما يعرف بالـ Y2K أي عدم جهوزية هذه الآلات للانتقال الزمني بين قرن وآخر. أخيرا وليس آخرا الركود الكبير بدءا من سنة 2007 الذي ما زلنا نعاني من نتائجه بدءا من أمريكا إلى اليونان ومختلف بقاع الأرض. حصلت كل هذه الكوارث في عهد «غرينسبان» بسبب السياسات التي اعتمدت، أهمها الفوائد المنخفضة التي شجعت على التهور والمضاربات في الأسواق المالية كما لاحقا في العقارات. المصرف المركزي حاليا يرفع الفوائد لتجنب التضخم مما يثير غضب ترامب الذي يريد نموا قويا قبل الانتخابات التشريعية وخاصة الرئاسية. المهم هو التعلم من أخطاء الماضي لعدم التكرار ولبناء المستقبل على قواعد أفضل وأسلم، لأن من يعمل يخطئ وهذا معروف في كل المجتمعات، فهل كانت أخطاء غرينسبان بريئة أم مقصودة؟ البحوث المستقبلية تقرر ذلك.