آفاق اقتصادات الدعم

الاقتصاديات المبنية على الدعم لا تملك أرضية صلبة لمواجهة التحديات تدور في دولة الكويت حاليا تجاذبات قوية بين اكثر من طرف حول السياسات والاصلاحات المالية التي يمكن ان تفتح المجال امام بناء اقتصاد متقدم واقل اعتمادا على العائدات النفطية، وهو التوجه الصحيح الذي يسود بلدان المنطقة لايجاد بنية اقتصادية ومالية قوية وقابلة للاستمرار. وفي الوقت الذي لقيت فيه مثل هذه التوجهات قبولا في دول مجلس التعاون، فان بعض اعضاء مجلس الامة في الكويت يقودون حملة لالغاء الزيادة في اسعار البنزين والتي بدأ سريانها مع بداية شهر سبتمبر الجاري، علما بان الاسعار الحالية لا زالت تعتبر اقل من سعر التكلفة ومدعومة بصورة كبيرة، مما يكلف خزينة الدولة مبالغ طائلة ترهق الموازنة السنوية. ويسعى عدد من نواب مجلس الامة الى الغاء الزيادة في سعر البنزين من خلال استجواب وزير المالية، وبالتالي سحب الثقة منه واقالته لتحقيق مكاسب انتخابية سيتضرر من جرائها مستقبل بلادهم الاقتصادي، فالاقتصادات المبنية على الدعم، هي اقتصادات ضعيفة ولا تملك ارضية صلبة لمواجهة التحديات ولا تضمن نموا اقتصاديا، كما انها معرضة لهزات اقتصادية خطيرة. توجه وزارة المالية يرمي الى توفير 30 مليار دولار خلال السنوات الخمس القادمة لدعم ميزانية الدولة من خلال اجراءات مالية متقدمة وصحيحة من الناحية المهنية، بما في ذلك التوفير من خلال الغاء دعم المحروقات واسعار الكهرباء والتي تعتبر اسعارهما من ادنى مستويات الاسعار عالميا، كما ان الزيادة في اسعار البنزين تأتي ضمن توجه رسمي لتحفيف الاعباء وتقليل الاعتماد على عائدات النفط وتنويع مصادر الدخل من خلال العديد من الاجراءات، كالحد من الهدر الاستهلاكي وتقليص النفقات غير الضرورية، علما بان الزيادة في اسعار البنزين ذات تأثيرات طفيفة على بعض فئات المجتمع والذين يمكن دراسة حالاتهم والبحث في امكانية مساعدتهم، الا ان غالبية افراد المجتمع لن يتأثروا بفضل مستويات المعيشة ومعدلات الرواتب المرتفعة. الموضوع الاساسي لا يتعلق بالدعم فقط، وانما بالتوجهات الاقتصادية والمالية المستقبلية، فالاختيار بين طريقين لا ثالث لهما، فاما الارتهان للوضع الحالي الذي يدعو اليه بعض النواب واستهلاك الدخل الوطني في عمليات دعم تضر بالاقتصاد، واما القيام باصلاحات تدعو اليها الحكومة لوقف الاستنزاف الجاري الناجم عن الدعم وتغيير اسس المالية العامة وتعزيز شفافيتها بما يضمن استقرارها وتقليل تذبذبها واعتمادها شبه التام على عائدات النفط. واذا ما نظرنا الى الاقتصادات الحديثة في الشرق والغرب، فاننا سوف لن نجد شيئا اسمه «الدعم» نعم هناك سياسات تتعلق بالنظر في بعض الاحتياجات الانسانية والتغلب على تداعيات البطالة وغيرها، اما تقديم الدعم بصورة شاملة، فان هذه سياسة مالية غير متبعة وتم اتخاذها في دول المنطقة مع بداية تدفق العائدات النفطية لاعتبارات مجتمعية وتاريخية لم تعد قائمة بفضل ارتفاع مستويات المعيشة وتطور التعليم والخدمات الصحية والاسكانية. اذن القضية تتعلق بالمستقبل وضرورة التحضير له برؤى عملية وموضوعية بعيدا عن العواطف، كما ان هناك مخارج وحلولا وسطا يمكن من خلالها معالجة هذه القضية، كمنح بعض الفئات من ذوي الدخل المحدود علاوات انتقال لمساعدتهم على التغلب على الغاء الدعم، وهو امر ممكن وعملي ويمكن ان يوحد جهود الحكومة ومجلس الامة للسير معا بما يؤدي الى بناء اقتصاد كويتي بقاعدة مالية قوية اقل اعتمادا على النفط وقابلة للاستمرار وبما يحفظ أمن واستقرار الكويت وازدهارها.