حروب واقتصاد.. لا صداقة إلا من بعد عداوة

الحروب، تلك النزاعات المسلحة المُتبادلة التي تقوم بين دولتين (جهتين) أو أكثر من الكيانات والتحالفات أو الجهات غير المنسجمة، والتي غالباً ما يكون الهدف منها هو إعادة تنظيم العلاقات والصلاحيات السياسية أو الاجتماعية أو الاقتصادية بهدف الحصول على نتائج أو أرباح ومزايا أفضل، هي حالة خاصة من الصراع تتطور بطبيعتها وتتحول إلى ساحة من القتال يفرِض فيها القوي شروطه على الضعيف، ويقع فيها الخاسر بالأسر بين يدي عدوِه، وليس غائبا على أحد الآثار الاقتصادية والاجتماعية السيئة التي تُخلِّفُها هذه الحروب سواء كان ذلك على المستوى الإنساني أو المؤسساتي المُتعلِّق بقطاع المال والأعمال، فالحرب وبالرغم من وحشِّيتها وآثارها المُدمِّرة إلا أنها من الأمور القليلة التي يتفق الجميع على أنها وفي النهاية تستنزف المُقدّرات الاقتصادية والمالية للأفراد والشعوب وحتى للدول، ولكن وبالرغم من كل ما سبق إلا أن التجارب أثبتت وبشكل واضح أن مُعظم الحروب كما خلَّفت وراءها جرحى وقتلى وأسرى فإنها أيضا خلَّفت أيضا أغنياء وأثرياء حرب، وهنا يأتي السؤال المهم، فما هي آثار الحروب الاقتصادية؟ وهل جميع الحروب انتهت بكوارث اقتصادية على الجميع؟ وهل هناك من مستفيدين من حالات الحروب التي دارت على وجه الأرض؟ وكيف استفاد الكثيرون من حالات الحروب هذه؟. أولا وقبل كل شيء فإنه من المهم جدا معرفة ان الحروب بشكل عام هي ساحات من القتال والخسائر الكبيرة التي يعاني منها طرفا النزاع لفترات طويلة قادمة، فهي بطبيعة الحال حدث سلبي يستنزف مقدّرات الأمم والشعوب، وهو ما ينتج عنه العديد من الضغوطات والخسائر المادية والمعنوية للناس والحكومات، وبالتالي فإن أهم الآثار الاقتصادية للحروب هي الدخول في حالة من الركود في النشاطات الاقتصادية الاعتيادية وهو ما يساعد في زيادة مستوى الدين العام وخسارة الموارد والاحتياطات، إضافة إلى التراجع الكبير في جميع قطاعات العمل سواء كان على المستوى العام أو الخاص، كذلك فإن حالة التضخم وانهيار العملات تؤدي إلى ارتفاع تكاليف الحصول على المواد والمنتجات وفقدان الشعوب لمُدّخراتِها وموارِدها، الأمر الذي يُساعد على الانخفاض الكبير في الرغبة في الاستمرار بالعمل والإنتاج أو حتى في التوسّع والاستثمار في أسواق تلك الدول التي تقع تحت وطأة الحروب وهو ما يساعد على الانخفاض في العمالة وفرص العمل وبالتالي إلى خلق حالة من العجز أو الخلل في إيرادات الميزانيات الخاصة بهذه الدول وهو بدوره أحد اهم أسباب الانخفاض في أرباح الشركات والمؤسسات المالية والتجارية والتي تتم بسبب انخفاض معدلات الإنتاجية والضعف الكبير في القوة الشرائية وانخفاض عوائد الأعمال، كذلك فإنه لا يَخفى على أحد الآثار السلبية الاجتماعية والنفسية التي يُعاني منها سُكّان الدول المُتحارِبة والتي قد تبقى شوائبها لسنوات وأجيال قادمة بسبب الأحداث الدامِية والناتجة عن ضعف الأمن وانهيار المنظومة التعليمية والأخلاقية للشعوب والمُجتمعات. وبالحديث عن الآثار الإيجابية للحروب على الاقتصادات فإن من أهمها هو ظهور فرص عمل جديدة تقوم على الحاجات الجديدة للأشخاص القابعين تحت الحرب، إضافة الى أن حالة النزوح تساعد الدول المحيطة على استقبال أعداد كبيرة من المهاجرين يزيد من مُعدلات الإنفاق والاستهلاك وهو ما يؤدى إلى انتعاش العمليات الشرائية وزيادة معدلات الطلب في الأسواق، كذلك فإن تبادل الخبرات وانتقال طُرق المعرفة تساعد على زيادة الابتكار والإبداع في العديد من الصناعات والطرق الإنتاجية المُختلفة للصناعة والتجارة، وهو ما يُساهم في زيادة معدلات الإنتاج وإعادة تنظيم الأنشطة الاقتصادية، إضافة إلى تبادل الخبرة والطرق التسويقية المُختلفة بين الدول، ولنا في أسواق الصناعة والمطاعم وتقديم الأغذية وتطوُّرها بشكل كبير في كل من أوروبا ومصر وتركيا بعد انتقال عدد كبير من السوريين إلى كل منها أفضل مثال على ذلك، فها هي أكلة "الفلافل" أو "الطعمية" تتحول بقُدرة قادر الى الطعام الأكثر انتشارا في أوروبا وهو ما جعل المطاعم المُتخصصة بإنتاجها تحتل المراتب الأولى على لائحة النمو والتوسع، وها هي مدينة "مالمو" السويدية والمُلقّبة بـ "عاصمة الفلافل" تحتضن مسابقة " كأس العالم للفلافل" بمشاركة أكثر من 40 دولة من بينها العديد من الدول العربية. وأخيرا وليس آخرا فإنه وبرأيي الشخصي فإن الحروب وبالرغم مما تحمله من مآس وظروف إنسانية صعبة إلا أنها كانت على مر التاريخ مرحلة مفصلية للتغيير والانتقال من عالم إلى آخر، فها هي الحرب العالمية الثانية تحمل بين خباياها بذور الثورة الصناعية الكبرى وهي التي جاءت بعد فترة غير مسبوقة من الركود اُطلِق عليها فترة " الكساد الكبير" في ذلك الوقت وهي الفترة التي انتهت في عام 1939 مع بدايات تلك الحرب، وها هي الحرب العالمية الأولى كانت قد فتحت العالم أمام دول وأسواق جديدة، وهو ما يجعل من الحرب وفي مُعظم الأحيان محطة انتقالية على مستوى الاقتصاد للدول المُتصارِعة، وهنا وبعد أكثر من عام ونيف على الحرب الروسية الأوكرانية فإنني أستذكر مقولة "أندريا بيليه" الكاتب والأديب الروسي الذي يقول "الحروب هي صراع بين غيلان العالم لاقتسام لحوم أغنامه".