في إطار توزيع الاختصاص القضائي بين المحاكم، ومن أجل نجاعة البت في القضايا ذات طابع خاص توجه المشرع القطري في السنوات الأخيرة إلى إنشاء قضاء متخصص للنظر في بعض الدعاوى، مثل تلك التي تتعلق بالعلاقات العمالية والتي يطبق بشأنها قانون العمل، بحيث لا ينعقد في هذه الحالة الاختصاص الولائي للمحاكم بل إلى لجان أحدثت في السنوات الأخيرة، تسمى لجنة فض المنازعات العمالية. وقد أنشئت لجان فض المنازعات العمالية بموجب القانون رقم 13 لسنة 2017 المعدل لقانون العمل وقانون المرافعات المدنية والتجارية وقرار مجلس الوزراء رقم 6 لسنة 2018 بشأن تشكيل لجان بوزارة التنمية الإدارية والعمل والشؤون الاجتماعية، وتناط بها مهمة قضائية تتمثل في نظر النزاعات المترتبة على تطبيق قانون العمل وعن عقود العمل المبرمة بين أصحاب العمل من جهة والعمال من جهة أخرى، من أجل البت في الدعاوى المحالة إليها من قبل إدارة العمل، وتداولها وفق قواعد الإجراءات القضائية، من أجل إصدار قرارات بشأنها تكتسي طابع الأحكام القضائية، حسب القواعد المقررة في قانون المرافعات المدنية والتجارية بصفته الشريعة العامة لإجراءات التقاضي. تتألف لجنة فض المنازعات العمالية حسب الوارد في المادة 115 مكرر1 من القانون رقم 13 لسنة 2017 المذكور من رئيس تكون لديه رتبة قاض بالمحكمة الابتدائية وعضوين من ذوي الخبرة في مجال العمل أحدهما خبير في مجال المحاسبة، إلى جانب أمانة سر تسند مهامها لموظف أو أكثر من موظفي وزارة العمل. وبالاطلاع على تشكيل لجنة فض المنازعات العمالية يتبين مدى إضفاء الصبغة القضائية على تأليفها وعدم اختلافها الجوهري مع تأليف الهيئة القضائية العادية، وذلك ما يؤكد أن هذه اللجان ليست إلا جزءا من المنظومة القضائية الرسمية للبلاد مهامها قضائية صرفة وليس إدارية حتى وإن كان يدخل في تكوينها تمثيلية لوزارة العمل. والملاحظ أيضا من الشروط اللازمة لتشكيل لجان فض المنازعات العمالية، أن تتألف من عضوين من ذوي الخبرة أحدهما خبير حسابي، ويشكل اشتراط خبير حسابي ضمن تشكيلة اللجنة نقطة قوة، لأن من شأن ذلك تسهيل مهام اللجنة عندما تعرض عليها نزاعات ذات طابع حسابي وتتطلب إصدار قرار دقيق بهذا الصدد، ولو كان تأليف اللجنة يقتصر فقط على رجال القضاء كانت اللجنة ستضطر إلى ندب خبراء للاستعانة بآرائهم في الأمور الفنية المعروضة عليهم، ومع ذلك لا يوجد ما يمنع اللجنة أن تستعين برأي خبير أو أكثر في القضايا المعروضة عليها والتي تتطلب ذلك. وتنظر اللجنة الطلبات المعروضة عليها في جلسات تعلن بها الأطراف، وتكون ملزمة بالبت في النزاع المعروض عليها داخل ثلاثة أسابيع من أول جلسة محددة للقضية، وتكون ملزمة أيضا باحترام إجراءات إعلان الأطراف والسماح لهم بتقديم مذكراتهم وردودهم والمستندات المؤيدة لادعاءاتهم، عقب ذلك تصدر اللجنة قرارها مشتملا على جميع البيانات الأساسية المطلوبة في الأحكام القضائية من أسماء أعضاء اللجنة مصدرة القرار وتوقيعاتهم وبيانات الخصوم وسرد لوقائع النزاع والأسباب والمنطوق، وإلا اعتبر باطلا. يكون لقرار لجنة فض المنازعات العمالية قوة السند التنفيذي، أي تكون مشمولة بالنفاذ المعجل، ويمكن للأطراف الطعن فيها بالاستئناف داخل خمسة عشر يوما من تاريخ صدورها، أو خلال اليوم التالي للإعلان بها للطرف الذي لم يكن حاضرا خلال تداول الطلب أمام اللجنة. أما فيما يخص تقييم تجربة لجان فض المنازعات العمالية باعتبارها القضاء العمالي في البلاد، فقد انقسمت الآراء إلى اتجاهين، اتجاه لا يرى فائدة من تكوين هذه اللجنة ويطالب بإعادة الاختصاص الولائي للقضاء العادي، واتجاه آخر يبارك هذه التجربة ويعتبرها خطوة محسوبة لتعزيز دور القضاء المتخصص، ونحن نرى أن تجربة القضاء العمالي المتخصص في البلاد تعد تجربة جديدة ما زال مبكرا الحكم عليها، لأنها في الأساس تدبير ناجع لفض هذا النوع الخاص من النزاعات التي يصعب على المحاكم العادية أن تحتويها بالنظر للكم الهائل من الدعاوى العمالية التي أصبحت تنشأ بين العمال وأرباب العمل، وبالتالي يكون من الأولى تشجيع هذه التجربة ومحاولة تصحيح مسارها وليس المطالبة بإنهائها.