هل تشعل أوكرانيا العالم؟

على الساحة الدولية أوكرانيا غير معروفة كما يجب والجميع يتذكرها جزءا من الاتحاد السوفيتي السابق. تبلغ مساحتها 600 ألف كلم2 مع حدود على الماء طولها 2782 كلم. عدد السكان 42 مليونا لكنه يتناقص سنويا كما هو حال العديد من دول أوروبا. يبلغ العمر المرتقب 72 سنة مما يشير الى ضعف مستوى الخدمات الصحية مقارنة بأوروبا الغربية. تحد أوكرانيا دول عدة منها روسيا البيضاء والمجر، لكن أهمها روسيا حيث طول الحدود يبلغ 1576 كلم. تحتوي أوكرانيا على ثروات طبيعية كبيرة ومعادن أهمها الحديد والفحم والغاز والنفط. أرضها زراعية والمياه متوافرة لانتاج العديد من السلع أهمها الحبوب والسكر وكافة أنواع الخضار. بعد روسيا كانت أوكرانيا الجزء الاقتصادي الثاني الأهم في الاتحاد السوفيتي. عانت كثيرا من أزمة الركود الكبير في 2008-2009، فوقعت اتفاقية مع صندوق النقد حصلت معها على قرض بلغ 16.4 مليار دولار. تعثرت الاصلاحات بسبب سوء التنفيذ فانحدر النمو 15% في 2009. بعد مفاوضات جديدة مع صندوق النقد في 2010 وبعد حسن التنفيذ عاد النمو لفترة قصيرة تعثر بعدها الاقتصاد مجددا لعدم تنفيذ الاصلاحات خاصة المصرفية. الوضع في أوكرانيا يشغل العالم بسبب الحشد العسكري الروسي على حدودها والذي يمكن أن يؤدي الى حرب وربما الى مواجهة عالمية بين روسيا وحلف شمال الأطلسي. حتى الآن تقول روسيا أنها لا تنوي احتلال أوكرانيا لكن القدرات العسكرية الروسية تكبر ومن الممكن أن يؤدي هذا الضغط الكبير الى مواجهة مع قوات حلف شمال الأطلسي غير البعيدة جغرافيا. لا شك أن سيطرة روسيا على شبه جزيرة القرم حركت الغرب تجاه أوكرانيا. فالاثنان مترابطان. بعد سنوات من التقلبات عاد النمو ليظهر مجددا في السنوات الماضية ولا شك بسبب ارتفاع أسعار مصادر الطاقة. أوكرانيا دولة غنية ويمكن أن تشكل سببا للاهتمام الروسي كما سببا لاهتمام الغرب بها بسبب موقعها وبسبب الغنى في الطاقة التي يحتاج اليها الغرب. الحكم السياسي المستقل لأوكرانيا جديد نسبيا وبالتالي المعرفة في ادارة الدولة تقنيا محدودة. التاريخ والزمن والاستمرارية أساسية لأي دولة، وهذا ما لا تعرفه أوكرانيا حتى اليوم. أما السبب الأهم لرغبة روسيا في الغزو فهو سياسي بامتياز لأنها ترغب في لعب دورها التاريخي مجددا أي قوة سياسية عظمى تستعمل قوتها العسكرية لتحقيق أهداف سياسية. بعد ان خسرت روسيا الاتحاد السوفيتي وبعد ان انحل حلف وارسو وبسبب محاولة الغرب جذب أوكرانيا الى حلف شمال الأطلسي، كان لا بد لروسيا من أن تظهر غضبها بل معارضتها لهذا "الاذلال". لا شيء يحرك أكثر من الذل السياسي حتى لأعرق الدول وأقواها. روسيا تريد أن يتوقف الغرب عن جذب أوكرانيا اليه وخاصة أن تلتزم أوكرانيا ومعها الغرب في ابقاء حلف شمال الأطلسي بعيدا عن حدودها، وهذا غير ممكن سياسيا. ربما نعود الى ما يشبه حربا باردة سياسية اقتصادية.