بدأت شركات النفط الكبرى في مواجهة تحديات جديدة تتمثل في بروز تحالف بين مجموعات الضغط المهتمة بقضايا التغير المناخي وحملة الأسهم في هذه الشركات، الأمر الذي نتج عنه إعادة النظر في بعض الأولويات التي كانت تؤخذ في السابق كمسلمات مثل السعي إلى تحقيق أكبر قدر من الأرباح لحملة الأسهم. وبسبب هذه الحملة أصبحت بعض مجالس الإدارات تعيد النظر في أولوياتها وإعطاء قضية التغير المناخي وانعكاساتها على مشروعاتها اهتماما أكبر. وتبرز حالة شركة شل العملاقة نموذجا على هذا التوجه، إذ أصبحت تخصص الجزء الأكبر من استثماراتها إلى ميادين الطاقة المتجددة أكثر من تلك التقليدية القائمة على مشروعات الطاقة الأحفورية. ويبدو أن رصيفاتها أمثال بريتش بتروليوم وإيني الإيطالية على الطريق. وكانت شركة قلينكور قد حددت سقفا أعلى لاستثماراتها في ميدان إنتاج الطاقة الحرارية من الفحم. وتتقدم مجموعة «حملة المناخ 100+» الركب في هذه الحملة من خلال نجاحها في استهداف بعض حملة الأسهم المؤثرين أمثال صناديق التقاعد وبعض مجموعات كبار المستثمرين وكسبهم إلى صف الضغط على مجالس الإدارات لتفرض على الشركات تقليل أنشطتها في مجالات الطاقة التقليدية. وعليه لم يعد كافيا إبراز الجدوى الاقتصادية لأي مشروع ومدى ربحيته وإنما أيضا مدى تقيده بأهداف تقليل نسبة الانبعاث الحراري. ومع استمرار هذه الحملة وبروز مؤشرات على نجاحها فإن مستقبلها ينبئ ببعض التطورات التي ستلقي بظلالها على مستقبل السوق النفطية. ومن هذا أن فرص التمويل المصرفي لهذه المشروعات يمكن أن تتراجع، وإذا أضيف إلى هذا الوضع أن حجم الاستثمارات العامة في المشروعات الجديدة أو التوسعة شهدت تقليصا واضحا إبان فترة تراجع الأسعار، فإن فجوة التمويل هذه مرشحة للاتساع، الأمر الذي ينذر بحدوث خلل هيكلي في موازين العرض والطلب مع تراجع حجم الإمدادات واستمرار الطلب في النمو على الأقل بسبب زيادة السكان والأنشطة الاقتصادية المصاحبة. هذا الوضع يمكن أن ينتج عنه تطور آخر أكثر أهمية وتأثيرا وهو أن تتصدر شركات النفط الوطنية المشهد في سوق الطاقة، فهذه الشركات التي تتحرك في إطار مناخ مختلف سياسيا وإداريا تتمتع بالمرونة والسند اللازمين لتتجاوز حساباتها الجوانب التجارية فقط وحسابات الربح والخسارة في كل مشروع وبالتالي فهي أقل تأثرا بحملات الضغط هذه. وفي الوقت الذي ستفرض فيه بعض القيود على الشركات النفطية الكبرى واختيارها لبعض المشروعات، فإن شركات النفط الوطنية ستكون أقل تعرضا إلى مثل هذه الضغوط وبالتالي تتاح لها الفرصة للحصول على مشروعات جيدة في إطار منافسة أقل، الأمر الذي يعزز من وضعها في قيادة السوق وتبعات ذلك السياسية والاقتصادية كونها تتبع حكومات لها إستراتيجياتها الخاصة بها. لكن تبقى قضية السرعة اللازمة للتحرك وضخ استثمارات جديدة وكافية بهدف توفير الإمدادات المطلوبة وإيصالها إلى السوق وبأي سعر.