الذهب والملاذات الآمنة

نعم إنه ذلك المعدن اللامع عالي الكثافة نادر الوجود نسبيا لا تؤثر على خواصه سنوات الأزمات ولا المحن وكان دائما يشكل الملاذ الآمن والمهرب السري للنأي بالنفس عن الأزمات الاقتصادية والحروب والنزاعات، كذلك أدركت كل الحضارات قيمة الذهب فاستخدمه الصينيون القدماء مع تكون أول أشكال الحضارة وكذلك الفراعنة في صناعة مقتنيات الموك وتركز استخدامه بشكل كبير في حضارة المايان ويطول الكلام كثيرا عن تاريخ الذهب ولكن ما وددت إلقاء الضوء عليه في هذا المقال هو كيفية تكون العلاقة العضوية التكاملية بين المعدن النفيس والعملة النقدية والآثار والتبعات التي حصلت للذهب والاقتصاد ولا زالت تحدث حتى الآن، وفي هذا الصدد اسمحوا لي وبعجالة أن أطرح بعض مظاهر اندماح الذهب مع النقد ومع الاقتصاد في آن معا. فبعد أن كانت عمليات التبادل التجاري تتم من خلال المقايضة ظهر الذهب كمرجع موحد ليكون هو عنصر التبادل، حيث ظهر بشكل مبدئي في الصين والقارة الأوربية وغيرها من مناطق العالم، ثم تطور ليصبح مرجعا للعملات الورقية والمصكوكات المعدنية والتي ظهرت في مختلف أنحاء العالم والتي شهدت نموا وتطورا تجاريا وتعاملا بالعملات الحقيقية وهي الذهب بحد ذاته حيث لم يكن في البداية عملة تقديرية مثل التي نتعامل بها الآن علما أن كل العملات الحالية هي عملات تقديرية لما يقابلها من قيمة أمام الذهب وبالتالي تعود أمور التقييم التجارية الحقيقية بشكل غير مباشر إلى الذهب. وعليه فإن الذهب وإن لم يكن موجودا الآن بشكل مباشر في العمليات التجارية إلا أنه لا هو عنصر التبادل الفعال في الاقتصاد وهذا يقودني إلى محور الحديث وهو أنه إلى أي حد يمكن أن نعتبر الذهب ملاذا آمنا في ظل التقلبات الاقتصادية الراهنة وما هي طبيعة العلاقة بين النمو والانتعاش الاقتصادي من جهة وأسعار الذهب من جهة أخرى وهي كما يلي: إنه وباعتبار الذهب وحدة الائتمان العالمية أي بمعنى أن كل العملات العالمية مقومة بالذهب مما سهل عمليات التبادل الخارجي بين الدول أو ما يطلق عليه الآن الحوالات البنكية بين الدول بعملات مختلفة يجمعها التقويم الذهبي وقد جاء ذلك في كتاب (التحويل الخارجي في القضاء والعمل)، حيث يبيِّن مؤلفه العلامة الاقتصادي حسن النجفي في مقدمة الكتاب عراقة حضارة وادي الرافدين في المؤسسات المصرفية وأعمال الصرف الخارجي منذ مطلع الألف الثاني قبل الميلاد. ويبيِّن حسن النجفي أهمية العثور على رقيمٍ من الطين يعود تاريخهُ إلى السنة الأولى من حكم حمورابي 2100 ق.م. وفيه أوّل صيغة تاريخية للتحويل الخارجي عرفها العالم، وكانت هذه الوثيقة عبارة عن حوّالة خارجية صادرة عن أحد مراكز العبادة في مدينة سيبار في بلاد بابل الواقعة على نهر الفرات، تخوِّل حاملها بأن يستلم بعد مرور خمسة عشر يوماً في مدينة (أيشاما) الآشورية الواقعة على نهر دجلة (8.5) منّاً من معدن الرصاص المودعة عند كاهنة المعبد. والمقصد هنا ومن وجهة نظري كمختص في المجال وبالنظر لتاريخ تطورات أسعار الذهب والأخذ بعين الاعتبار المتغيرات الجديدة في عالم الاقتصاد فإنني أميل إلى أن أسعار الذهب المقومة بالدولار مرتبطة بشكل طردي غير مباشر ونسبي في آن معا مع النشاط الاقتصادي أي أنهما يتحركان معا ولكن بنسب متفاوتة، وفي هذا الصدد أود الإشارة إلى أسعار الذهب في عام 2008 والتي ناهزت الـ 1960 دولارا للأوقية بعد الأزمة الاقتصادية التي اشتاحت العالم وذلك بسبب النظر إلى الذهب كملاذ آمن والهروب إليه بسبب ضعف الاقتصاد المالي والحقيقي، ولكن ما لبث الذهب بعد ذلك مباشرة أن انهار سريعا وتراجع على مر السنوات السابقة ليستقر بمراوحة سعر الـ 1200 دولار للأوقية على الرغم من أن الاقتصاد العالمي لم يتحسن كثيرا ويمر منذ الربع الأول لعام 2015 بأزمة نمو حقيقية منعكسة سلبا على كل المؤشرات الحيوية الاقتصادية العالمية ليستقر الذهب الآن ما دون 1260 دولارا للأوقية علما أن هذا السعر بعد موجة صعود عنيفة لكل المعادن النفيسة بررت بأن الذهب هو الملاذ الآمن لذلك ارتفع إلى هذا المستوى. والسؤال هنا أين هو هذا الملاذ الأمن وماذا قدم لمن وثق به عند أزمة 2008 واشتراه فوق سعر 1900 دولار وما هو معيار التضخم على الذهب هل هو مربوط بمستوى تضخم الدولار وإذا كان كذلك هل يكون ذلك عادلا إذا أخذنا بعين الاعتبار أن الذهب هو وحدة تقييم عالمية لكل عملات العالم، حقيقة لا أملك كل الإجابات ولكن أملك التساؤلات التي يمكن أن تولد القناعات المقبولة في هذا الصدد وللحديث في هذا المجال بقية.