الخوف من الصين؟

الخوف من الصين! هذا ما نسمعه يوميا من المسؤولين الغربيين وخاصة الأميركيين. الخوف ممن ومن ماذا؟ الخوف من الحزب الحاكم أو من النمو الاقتصادي المدهش؟ لا بد هنا من العودة الى الثمانينات مع اليابان حيث كان الخوف سائدا من الجبار الياباني الذي "سيأكل" كل خيرات العالم. ماذا حل باليابان؟ سقط الاقتصاد وأصبحت اليابان قوة اقتصادية عادية. هل يحدث نفس الشيء بالنسبة للصين وبالتالي يتحجم الدور الصيني العالمي؟ حصلت المعجزة الصينية جزئيا عبر الهجرة الداخلية من الأرياف الى المدن والى مراكز الانتاج أي المدن الصناعية. استفاد الاقتصاد من عمالة عديدة متوافرة ورخيصة أحدثت الأعجوبة. لم يعد هذا ممكنا بسبب الهيكلية السكانية حيث ازدادت نسبة المسنين بسبب انخفاض النمو السكاني. منذ 30 سنة، كان عدد الولادات 25 مليونا في السنة، أما اليوم فهو 16 مليونا أو أقل. سياسات الولد الواحد أعطت نتائج ايجابية وسلبية. ألغيت لتسمح مجددا للسكان بالازدياد. ثقل الأجور سيرتفع، وهنالك مؤشرات تبين أن التنافسية أصبحت أدنى وبالتالي أصبحت الصين مشابهة لأكثرية دول العالم. أما حجم الدين العام فسيرتفع الى حدود جديدة خاصة اذا ما احتسبنا كل ديون القطاع العام وليس السلطة المركزية فقط. فالقدرة الاستثمارية للصين ستصبح محدودة أكثر مما يجعلها تقارب أوضاع الدول الأخرى. تبقى الصين بالرغم من كل التغييرات دولة تحكم من حزب واحد بل عمليا من رجل واحد هو الرئيس "شي". تعاني الصين من الأمراض التي يشهدها المجتمع العالمي. توسعت فجوة الدخل والثروة كما انتشر الفساد المقنع. هنالك دلائل لترابط الثروة مع السياسة مما يغير دور الصين في الأهداف والوقائع. ارتفاع نفوذ الأغنياء يشير الى تشابه مع روسيا وهو ما ترفضه الصين في عقيدتها، لكن يظهر أنها غير قادرة على منعه. نجحت الصين في تطبيق اللامركزية الادارية والاحصائيات تؤكد عليه. حصة المناطق 40% من مجموع الايرادات الوطنية و 73% من مجموع الانفاق، مقارنة بمعدلين 9% و 14% في الدول النامية و 19% و 32% في الدول الغربية. ما زالت الصين تستهلك الكثير من الوقود مما يشير الى قدم آليات الانتاج والنقل مما يرفع مستويات التلوث المحلي كما العالمي. تستعمل الصين خاصة الفحم والقليل من الغاز، وهذا سيتغير مع تطبيق اتفاقية باريس التي انسحب منها الرئيس ترامب وعاد اليها الرئيس بايدن. توصيات مؤتمر غلاسكو الأخير، اذا ما طبقت، ستساعد في التخفيف من أزمة المناخ. تريد الصين دورا أكبر في الاقتصاد العامي خاصة عبر المؤسسات الدولية الأساسية من بنك دولي وصندوق نقد ومنظمة تجارة. لن يرتاح العالم قبل أن تأخذ الصين دورا دوليا يتناسب مع حجمها السياسي والاقتصادي والبشري. هل الخوف من الصين مبرر؟ طبعا لا اذا اعتمدت الدول التوازن والمنطق في العلاقات معها وهنا يكمن دور كبير لأميركا. لا يمكن للاقتصاد العالمي أن يتجاهل الصين، فكيف نتجاهله نحن عربيا؟.