مطار اسطنبول - الذي انطلقت منه رحلتنا إلى مطار "طرابزون"، واحد من أضخم مطارات العالم، وأبرزها تطورا وحداثة وقدرة على التوسع المتواصل في المستقبل، إنه وحش عمراني بتصاميم عصرية أخاذة، أخطبوط من المتاهات بممراته وقاعاته ومرافقه وأسواقه وردهاته... ويصعب على الإنسان حتى وإن زاره مرات أن لا يتوه في تفاصيل جسده العملاق، إنه أحد المشاريع التي يشار إليها بالبنان ويضرب بها المثال في عهد حزب "العدالة والتنمية"، وقبل يومين من وصولنا إلى هذا المطار التحفة، نشر خبر إعلامي يقول بأن "مطار اسطنبول يحقق رقما قياسيا جديدا بعدد الرحلات والمسافرين في يوم واحد، ٣٢٠ ألف مسافر، بـ ١٤٢٢ رحلة دولية وداخلية". البهجة بعيد الأضحى المبارك، تعم الساحات والميادين والأسواق والحدائق والمنتزهات العامة التي تضج بالأسر المحتفلين بهذه المناسبة الإسلامية السعيدة، فيما تغص وسائل النقل بأنواعها بالمسافرين الذين ينتقلون بين المدن والأرياف والقرى، لتهنئة أرحامهم وذويهم، ومشاركتهم فعاليات العيد، ومما لاحظته أن الأتراك يشتركون في أضحية العيد، التي تكون عادة من الأبقار، فيتجمعون في مناطق مخصصة لكل حارة ومربع سكني للذبح وتوزيع حصص اللحم حسب نصيب كل أسرة وفرد، كما توزع حصص من وجبات الأرز المطبوخ باللحم مجانا في العديد من الساحات العامة التي يقدمها فاعلو الخير. في اسطنبول اضطرتنا الأنفلونزا الحادة، والسعال الشرس المتحكم في الصدر، إلى زيارة عيادة خاصة، هي أشبه بمستشفى صغير، دفعنا في مقابل الكشف الطبي والفحوصات والحقن واستنشاق البخار لمعالجة الاحتقانات... لثلاثة أفراد، ولمدة يومين حوالي الـ ٤٠ ريالا عمانيا، وهي أقل بكثير عن تكلفة العلاج في العيادات الخاصة في عمان والخليج. الطبيب في العيادة ومعاونوه والكوادر الأخرى، لا يتحدثون إلا التركية، أو أنهم لا يرضون بغيرها بديلا، فكانت وسيلة التفاهم معهم مترجم "جوجل" الذي يترجم من العربية إلى التركية والعكس، لشرح الأعراض المحسوسة وخلاصة التشخيص ونوع العلاج وكيفية استخدام الأدوية، ويشتكي الكثيرون من العرب عائق اللغة مع الأتراك، خاصة في مدينة إسطنبول ومحيطها، فيما يتساءل المرء كيف تمكنت تركيا من تعريب التعليم بمناهجه ووسائله ومستوياته وتخصصاته العلمية والدقيقة، وبناء وتهيئة الكوادر الفنية في مختلف المجالات، فيما فشلنا نحن العرب رغم امكاناتنا الكبيرة، وكيف فرطنا بلغة العرب والاسلام والقرآن، كتاب الله العظيم الذي يقرأه ويتبرك به مئات الملايين من البشر حول العالم، لصالح اللغة الانجليزية وغيرها من اللغات في التعليم والعمل والسفر... وباتت لغتنا تئن من التهميش والخذلان المتواصلين، وتراجع مكانتها وتحميلها ما لم تحتمل من أنها غير قادرة ولا تستطيع مسايرة العلم والتقدم الذي يشهده العصر، إنها بحق مأساة نتحمل نحن العرب مسؤوليتها، فيما الأمم الأخرى تعتز بلغاتها عمق ثقافتها وتاريخها والحافظ على كيانها وموروثها، وفخر وجودها، والشاهد على نجاحها وتقدمها وازدهارها. حركة الأسواق في المدن التركية، نشطة، والمحلات التجارية بأنواعها تغص بالمشترين والمتسوقين، والأقدام تتوقف مرات عديدة بسبب الاختناقات ودرأ من عواقب الاصطدام بالسيل البشري المتدفق.