بدون التنسيق مع الاتحاد الأوروبي، أقر الكونجرس الأمريكي قانونا بفرض المزيد من العقوبات الاقتصادية على روسيا، ما أثار حفيظة الأوروبيين الذين تشاركوا سابقا التنسيق مع الولايات المتحدة قبل فرض أي عقوبات، لعدم الإضرار بمصالحهما. فالاتحاد الأوروبي يعتمد على المصدر الروسي للتزود بالغاز الطبيعي الذي يشكل ما يقارب 35% من مزيج الطاقة لديه، وبحجم 150 مليار متر مكعب سنويا، حيث يمر نحو 80% من هذه الكمية عبر خطوط أنابيب يبلغ عددها 13 أنبوبًا تتوزع في أنحاء أوروبا. وبذلك لا يمكنه قبول أي تأثير على انسيابية الغاز من هذا المصدر، فروسيا نفسها لم تجرؤ على مجرد التلويح باستخدامه أداة للرد على العقوبات الأوروبية ضدها، فكيف تتعمد الولايات المتحدة تعطيله لضعضعة أمن الطاقة الأوروبي؟، حسب رئيس المفوضية الأوروبية جان كلود يونكر. لكن فرض الولايات المتحدة عقوبات إضافية ضد روسيا مختلف هذه المرة، لأن اتخاذها عائدا بالأساس لأسباب أمريكية تضر بالمصالح الأوروبية باستهدافها قطاع الطاقة الروسي الذي يزود أوروبا بحاجتها من الغاز، مما يرضي الرئيس ترامب لناحية صراعه التجاري مع أوروبا بقيادة ألمانيا، لما سيسببه من صعوبات اقتصادية وكلف إضافية ترفع أسعار منتجاتها، وهو ما يرغب به الرئيس الأمريكي، وفي المقابل يعطي الكونجرس أفضلية في معركته معه على خلفية الاتهامات بعلاقته المريبة مع روسيا، موقعا الرئيس في مأزق لعدم استطاعته رفضه، فهو يناسبه باستهدافه ألمانيا من جهة، وهو يريد إبعاد تهمة محاباة روسيا عن نفسه من جهة ثانية. مكمن الغضب الأوروبي بقيادة ألمانيا وفرنسا يعود إلى إتاحة القانون للرئيس الأمريكي فرض عقوبات على الشركات العاملة على خطوط الغاز الروسية من خلال الحد مثلا من إمكانية تعاملها مع المصارف الأمريكية، أو استبعادها من السوق الأمريكي، أو فرض تدابير على كيانات أوروبية، ما يعد تجاوزا لخط أحمر كان يقضي بألا تؤثر العقوبات في إمدادات الغاز إلى أوروبا. فالقانون -ونظرا لما سيبنى عليه من إجراءات- يتيح ولو نظريا فرض عقوبات على شركات أوروبية تعمل في مشروع أنابيب الغاز (نورد ستريم 2) الذي سيسرع وصول الغاز الروسي إلى ألمانيا اعتبارا من 2019، من ذلك شركة (آنجي) الفرنسية، و(يونيبر وفينترشال) الألمانية، و(أو إم في) النمساوية، و(شل) البريطانية-الهولندية، وشركات أخرى تشارك في صيانة خطوط روسية لتصدير النفط وتطويرها وتوسيعها، لتطال العقوبات صيانة خطوط الأنابيب، وإنشاء خطوط نفط جديدة. وعليه، سيدفع هذا القانون الاتحاد الأوروبي لحماية مصالحه الاقتصادية ومواجهة العقوبات الأمريكية ضد قطاع الطاقة الروسي، باعتباره يستهدف اقتصادات دوله تحت غطاء مواجهة روسيا، بما يعرقل معدلات نموها، ويكبح نشاطها التجاري وبالذات ألمانيا، التي يقلق فائض ميزانها التجاري البالغ 270 مليار دولار في العام 2016، الرئيس الأمريكي، الذي سجل ميزان بلاده التجاري عجزا زاد على 500 مليار دولار في السنة ذاتها. رفض الاتحاد الأوروبي للعقوبات الأمريكية الجديدة يسعد روسيا، لأنه يقوض أسس العقوبات الغربية ضدها، ويغذي النزاع التجاري المحتدم بين الحلفاء، خصوصا وأن استهداف الغاز الروسي سيؤدي لارتفاع أسعار الطاقة في أوروبا، مقابل دعم الحكومة الأمريكية لصناعة الغاز الصخري، والمضي في فرض المزيد من الحمائية في علاقاتها التجارية مع العالم.