مضطرة إلى توقيع اتفاق غير متحمسة له وربما لا خيار آخر تواجه أوروبا أزمات مصيرية كبيرة تهدد هويتها وتمنع عمليا تعافيها من مشاكلها المالية والاقتصادية. الأسباب خارجية، منها النمو الصيني وتأثيره على الصادرات الأوروبية كما نسب الفوائد على الدولار وتأثيرها على أسعار الصرف، خصوصا بين اليورو والدولار. تتلخص الأزمة الداخلية عمليا في نسب نمو منخفضة ونسب بطالة مرتفعة، في الوحدة الأوروبية، بلغت نسبة البطالة 11% سنة 2015 أو ضعف النسبة الأمريكية. تكمن النسبة الأكثر خطورة في إسبانيا، حيث بلغت البطالة 21.8% السنة الماضية ومتوقع 19.9% لهذه السنة. نسب النمو تقع في 3.1% في سنة 2015 ومتوقع 2.7% هذه السنة، لا يمكن التخفيف من عبء مشكلة النازحين، علما بأن من ينزح هو مظلوم ويترك دولته قسرا. خلقت مشكلة النازحين مشاكل مالية ومادية، ومن الممكن أن تسبب خللا ديموغرافيا إذا تفاقمت. الاتقاف الأوروبي التركي لا يحل مشكلة النزوح إنما يخفف من تكلفته على أوروبا التي ربما لا تقيم جيدا الخطر التركي، فإلغاء التأشيرات للأتراك يمكن أن يسبب نزوحا تركيا إلى أوروبا ربما يفوق في العدد النزوح العربي والإفريقي. أوروبا مضطرة اليوم إلى توقيع اتفاق غير متحمسة له وربما لا خيار آخر لها أيضا، الأتراك من ناحيتهم يستفيدون من الحاجة الأوروبية، سياسيا واقتصاديا وماليا إلى أقصى الحدود. هذه الإستراتيجية المدروسة والممارسة تركيا منذ عقود حتى لا نقول قرونا، نفتقد إليها عربيا، حيث الخلافات الداخلية تفوق في حدتها الخلافات الخارجية. إذا احتسبنا كافة المؤثرات على الاقتصاد الأوروبي من النزوح، نرى أنها إيجابية بحدود 0.25% من الناتج بسبب الإنفاق العام على المعالجة أو المواجهة. في كل حال تطرح مشكلة النازحين موضوع الحدود ومصير اتفاقية «شينغين» وبالتالي مصير الوحدة الأوروبية. هنالك مشاكل أخرى تواجه أوروبا لا تقل خطورة وهي ضربات الإرهاب في مدنها أهمها مؤخرا في باريس وبروكسل. هل تمكن حماية السكان الأبرياء في وقت ينبع الإرهاب من أقلية في الداخل؟ هذه الأقلية مولودة في أوروبا وتحمل الجنسيات الأوروبية، بالتالي من الصعب جدا محاربتها ومراقبتها. هذا الإرهاب الجديد يتحمل مسؤوليته الجميع، أي الدول المضيفة التي ربما لم تحسن استيعابهم، كما يتحمله أيضا المواطنون أنفسهم الذين يتصرفون كما لا يقبله العقل والقلب والمنطق. هنالك مشكلة ثالثة كبيرة تواجه أوروبا وهي السياسات التقشفية المتبعة نتيجة الأزمة المالية والتي تسبب الغضب الشعبي تجاهها. ما نشهده من غضب يوناني كبير ومتجدد يمكن أن يسقط حكومة «تسيبراس» ويسبب انتخابات مبكرة تعيد الديمقراطيين إلى السلطة. قيمة الديون اليونانية الخارجية حتى سنة 2057 تبلغ 320 مليار دولار، أي ثقل سنوي لخدمة الدين يوازي 4.1% من الناتج المحلي. لتحسين الوضع الاقتصادي، هنالك جهود كبرى وموجعة يجب أن تبذل لأن قدرة الشعب على دفع ضرائب إضافية هي محدودة. تجري اليوم محاولات لتخفيف حجم وقيمة برامج التقاعد أي ضرب المواطن في آخر عمره وهو الظلم بحد ذاته. هنالك اقتراح يمكن أن يقدم وهو أن تصرف الأموال المسددة للمقرضين من قبلهم على شراء سلع يونانية أو على الاستثمار في اليونان مما يساهم في تحفيز النمو وبالتالي يخفف مع الوقت الثقل السلبي للاقتصاد اليوناني على أوروبا. في كل حال لابد من فهم أوضاع المقترضين كما المقرضين الذين يفرضون الضرائب على مواطنيهم، ليس لمعالجة سوء الإدارة في اليونان، بل للقيام بمشاريع مفيدة لهم في بلادهم.. للأسف أوروبا واقعة في مأزق لا تحسد عليه.