أعور الزمان

لم يمر العالم من قبل وعلى مر آلاف السنين بالتغير الذي حصل في العقود القليلة الماضية، وعلى كافة المستويات والمجالات، سواء السكانية أو الصحية أو التكنولوجية وغيرها كثير، لدرجة أنني شخصياً مع استرجاع بضع عشرات من السنوات السابقة والتفكر فيما حدث من تغير عملاق يصعب عليَّ تخيل حجم التغير كما يصعب عليَّ أحياناً أن أصدق ما يحدث، ناهيك عن عدم القدرة على تلقف ما يجود به الزمان من اختراعات متسارعة ومتتالية. أعود بالذاكرة إلى أيام حداثة سني وبراءة الطفولة بينما كنّا في قريتنا نلتف حول إمام المسجد بعد الصلاة، حيث كان يروي قصة الأعور الدجال الذي يجوب العالم بثوان ويتحرك بسرعة البرق وغيرها من خوارق الأمور، وأذكر الانبهار والخوف على وجوه الصبية أثناء الحديث، واليوم عندما ننظر للتقدم التكنولوجي والمعرفي والأقمار الصناعية التي ترصد حركة الأشخاص والمركبات وتنتقل عبر كاميرات خرائط محرك البحث «جوجل» من قارة إلى أخرى أسرع من البرق نفسه، وعند التفكر بأننا نستطيع أن نتصل بالصوت والصورة مع أي مكان على كوكب الأرض في لحظات، وبالنظر إلى ما وصلت إليه التكنولوجيا التدميرية لأنواع أسلحة الدمار الشامل من القنابل النووية إلى الهيدروجينية، إلى الفراغية إلى غيرها مِن الأسماء المرعبة، في وسط هذه الفوضى النظامية التي نعيشها أستذكر كلمات إمام المسجد عن الأعور الدجال وأراه موجودا الآن بكل مواصفاته وكأنما كان يصف حاضرنا الذي نعيشه، فهل هو الإنترنت؟ أم تكنولوجيا الأسلحة؟ أم هو الأقمار الصناعية؟ أم هو كل ذلك مجتمعاً معاً؟ وهذا قد يجوز، وإذا لم يكن كذلك فإني على يقين بأنه إما أن يتفاجأ هو بما نحن عليه، أو أننا نحن من لن نتفاجأ بقدراته كما كنت أنا في الماضي، فقد أصبحت كل إمكانياته موجودة الآن عند الكثيرين. حقيقة نحن محظوظون وقليلو الحظ في آن معاً، فأنا متأكد من أن أياً من ملوك أو قياصرة أو أباطرة الماضي استطاع أن يستبرد في يوم شديد الحرارة بهواء بارد كالذي يخرج من مكيف الهواء، كما أنني متأكد أن قارون الذي عجز عن حمل مفاتيح صناديق أمواله لدرجة أنه استعبد لأجل ذلك الناس ليحملوها عنه لم يكن ليفعل ذلك لو توفرت له بطاقة الدفع الإلكتروني الحديثة، لذلك أعتقد أننا على درجة عالية من الحظ، ومن الجانب الآخر كان عدد سكان الكوكب حتى وقت قريب لا يتجاوز نصف المليار وبالتالي كانت الأرض أرحب وأوسع وحرية التملك والتنقل أسهل بكثير وعليه فإننا لسنا محظوظين، بل مخدوعون بما نأخذ من قشور هذه الحياة التي أصبحنا فيها كمملكة النمل نعمل ونسير ونبني دون أن نعلم لماذا وكيف ولمن، فهل واقعنا هو واقع الأعور الدجال؟، وإلى أن نعلم ذلك هذه تحية وإلى اللقاء.