

يحتفي العالم في الحادي والثلاثين من أكتوبر من كل عام باليوم العالمي للمدن، الذي يأتي هذا العام تحت شعار "تجديد المدينة: السكن الملائم للجميع"، مسلطا الضوء على أهمية تطوير البيئات الحضرية، وتعزيز فرص الحصول على السكن الملائم، وبناء مدن شاملة وآمنة ومستدامة تستجيب لاحتياجات مختلف فئات المجتمع.
وفي ظل التحولات العمرانية المتسارعة التي يشهدها العالم، تبرز أهمية التخطيط الحضري المستدام بوصفه ركيزة أساسية لبناء مدن أكثر قدرة على استيعاب النمو السكاني، وتوفير السكن الملائم والخدمات الأساسية، وتعزيز الترابط المجتمعي.
ومن هذا المنطلق، لم تعد المدن الحديثة تُقاس بامتداد عمرانها أو ارتفاع مبانيها وحجم مشروعاتها فحسب، بل بقدرتها على توفير حياة كريمة لسكانها، وتحقيق التوازن بين متطلبات النمو العمراني واحتياجات الإنسان، في ظل تحديات متزايدة تفرض إعادة النظر في مفهوم المدينة ووظيفتها، والانتقال من مجرد توفير المساكن إلى بناء مجتمعات متكاملة تتوافر فيها مقومات الأمن والاستدامة وجودة الحياة.
وفي دولة قطر، تشكل التنمية العمرانية وتطوير البنية التحتية أحد المحاور الرئيسية في مسيرة التنمية الشاملة، حيث تواصل الدولة تنفيذ مشاريع استراتيجية لتطوير المناطق السكنية القائمة والجديدة، وتوفير شبكات متكاملة من الطرق والخدمات والمرافق، بما ينسجم مع أهداف رؤية قطر الوطنية 2030، ويعزز مكانة الدولة في مجال التنمية الحضرية المستدامة.
وفي هذا السياق، أكد المهندس خالد سيف الخيارين، مدير شؤون المشروعات بهيئة الأشغال العامة "أشغال"، في تصريحات خاصة لوكالة الأنباء القطرية "قنا"، أن مشاريع الهيئة تسهم في تطوير المناطق السكنية وتحسين جودة الحياة، من خلال تهيئة المناطق الجديدة وتطوير المناطق القائمة، وتوفير الطرق وخدمات البنية التحتية المتكاملة التي تواكب متطلبات النمو العمراني وتلبي احتياجات السكان.
وأوضح أن هذه المشاريع تشمل تطوير شبكات الطرق الداخلية، وأنظمة تصريف مياه الأمطار، وإنارة الشوارع، ومواقف السيارات، ومسارات المشاة والدراجات الهوائية، بما يعزز السلامة وسهولة التنقل، ويحسن الربط بين المناطق السكنية والطرق المحيطة والمرافق والخدمات الأساسية، بما فيها المباني الحكومية.
وأشار إلى أن هذه الجهود تنسجم مع شعار اليوم العالمي للمدن لهذا العام، الذي يؤكد أهمية تكامل السكن مع البنية التحتية والخدمات الأساسية، بما يسهم في إنشاء أحياء سكنية آمنة ومستدامة، ومجتمعات متكاملة ترتقي بجودة الحياة وتلبي تطلعات السكان.
وفيما يتعلق بأبرز المشاريع التي تنفذها الهيئة لتحديث البنية التحتية في المناطق السكنية، أوضح الخيارين، أن "أشغال"، تنفذ العديد من مشاريع تطوير الطرق والبنية التحتية في مختلف مناطق الدولة، بهدف خدمة القسائم السكنية للمواطنين وتطوير الأحياء القائمة والجديدة.
وبين أن المشاريع الجاري تنفيذها تشمل تطوير الطرق والبنية التحتية في غرب أم صلال، ومنطقتي أزغوى والثميد بحزمتيه الأولى والثانية، إلى جانب مشروع في منطقة الوعب، واستكمال أعمال التطوير في المشاف والمعراض وجنوب غرب معيذر والخريطيات وأزغوى وروضة الحمامة، وغيرها من المناطق.
وأضاف أن هذه المشاريع تتضمن تطوير شبكات الطرق وربطها بالطرق الرئيسية، وتوفير عناصر البنية التحتية المتكاملة، بما ينعكس بصورة مباشرة على تحسين البيئة السكنية، من خلال تعزيز السلامة المرورية وتسهيل التنقل ورفع كفاءة الخدمات، فضلا عن تحسين المظهر العام للأحياء السكنية وتوفير بيئة أكثر أمانا واستدامة، تستجيب لاحتياجات السكان الحالية وتدعم تطور المناطق على المدى الطويل.
وحول دمج معايير الاستدامة في المشاريع، أكد مدير شؤون المشروعات بهيئة الأشغال العامة أن الهيئة تحرص على تطبيق هذه المعايير في مختلف مراحل التخطيط والتصميم والتنفيذ، من خلال تبني أفضل الممارسات والحلول المبتكرة والتقنيات الحديثة، بما يسهم في الحفاظ على الموارد الطبيعية وتقليل النفايات والانبعاثات الكربونية والحد من الأثر البيئي للمشاريع، انسجاما مع رؤية قطر الوطنية 2030.
وكشف المهندس خالد سيف الخيارين، أن نسبة استخدام المواد المحلية في مشاريع الهيئة تتجاوز 75 بالمئة، بما يدعم الصناعات الوطنية ويحد من الاعتماد على المواد المستوردة، مشيرًا إلى أن جهود الاستدامة تشمل كذلك إعادة تدوير مواد البناء ونواتج الحفر والخرسانة والأسفلت، وإعادة استخدام بعض المعدات واللوحات المرورية، والاستفادة من الطاقة الشمسية في إنارة مكاتب ومواقع العمل.
ولفت إلى أن الهيئة تعمل أيضا على تطوير شبكات وخطوط تجميع مياه الأمطار وإنشاء محطات الضخ، لتعزيز كفاءة إدارة المياه والحد من تجمعاتها، إلى جانب إعادة استخدام المياه الناتجة عن أعمال نزح المياه في بعض الأنشطة الإنشائية، بما يعكس التوجه نحو الاستخدام الأمثل للموارد وتقليل الأثر البيئي.
وفيما يخص ضمان سهولة الوصول إلى الخدمات والمرافق لمختلف فئات المجتمع، أوضح الخيارين أن مشاريع الهيئة تتضمن إنشاء أرصفة وممرات آمنة للمشاة وعبور الطرق، ومسارات للدراجات الهوائية، إلى جانب المساحات الخضراء وأعمال التشجير، بما يعزز الترابط بين المناطق السكنية والمرافق والخدمات المحيطة، ويراعي احتياجات مختلف فئات المجتمع.
وأكد أن هذه الحلول المتكاملة تستهدف توفير بنية تحتية آمنة وشاملة ومستدامة، تحافظ على الموارد والبيئة، وتشجع على تبني أنماط حياة صحية، وترتقي بجودة الحياة للأجيال الحالية والقادمة.
وعن الخطط المستقبلية للهيئة، كشف المهندس خالد سيف الخيارين أن "أشغال" تعتزم، في إطار خطتها الخمسية، طرح أكثر من 30 مشروعا خلال السنوات الخمس المقبلة لتطوير الطرق والبنية التحتية في أراضي المواطنين الجديدة، بما يخدم نحو 33 ألف قسيمة سكنية.
وبين أن الهيئة تواصل استكمال المشاريع الجاري تنفيذها، وتسريع إنجاز المشاريع المتأخرة، وتحديث شبكات الطرق والصرف الصحي وتصريف مياه الأمطار، إلى جانب توفير بنية تحتية متكاملة للمناطق السكنية الجديدة والقائمة، بما يواكب التوسع العمراني والنمو السكاني في الدولة.
وأشار إلى أن الخطط المستقبلية تتضمن تعزيز التنسيق مع الجهات الحكومية والخدمية، لضمان تكامل مشاريع البنية التحتية مع خطط التنمية والتوسع العمراني، مع التوجه نحو توظيف الأنظمة الرقمية الذكية والتقنيات الحديثة، بما في ذلك الذكاء الاصطناعي، لتحسين كفاءة التخطيط والتنفيذ.
وتابع أن هذه الخطط تأتي دعمًا لرؤية قطر الوطنية 2030، من خلال تطوير بنية تحتية متكاملة ومستدامة، وحماية البيئة، وتحسين جودة الخدمات العامة.
وفي ظل التحديات العمرانية والبيئية المتزايدة التي يشهدها العالم، يشكل اليوم العالمي للمدن مناسبة للتأكيد على أن مستقبل المدن يُقاس بمدى قدرتها على توفير حياة آمنة وكريمة ومستدامة لسكانها، وهو ما تسعى دولة قطر إلى ترسيخه من خلال مشروعات البنية التحتية والتخطيط العمراني المتكامل، وصولا إلى مدن أكثر استدامة ومجتمعات أكثر رفاهية للأجيال المقبلة.