أعلن رئيس إقليم كردستان مسعود البارزاني أنه لن يستمر في منصبه بعد الأول من نوفمبر، في رسالة إلى البرلمان، وقال البارزاني في رسالته تُلِيَت أمس في افتتاح جلسة لبرلمان كردستان: بعد الأول من نوفمبر، لن أستمر في هذا المنصب وأرفض الاستمرار فيه، ولا يجوز تعديل قانون رئاسة الإقليم وتمديد عمر الرئاسة . وعلى البرلمان أن يجد حلا لهذه المشكلة، بعد تنحي بارزاني عن رئاسة الإقليم أو الترشح هو أو أي من أفراد عائلته لهذا المنصب، مع غياب مرشحين آخرين للرئاسة، وعلى البرلمان أيضا اختيار مرشح جديد لخلافة البارزاني، أو يلغي منصب الرئيس بشكل مؤقت أو دائم، كما أن عليه توزيع صلاحيات رئيس الإقليم بعد انتهاء مدته على رئيس الحكومة ورئيس البرلمان ومجلس القضاء.
يذكر أنه تم انتخاب البارزاني من قبل البرلمان رئيسا للإقليم عام 2005، ثم انتخب من قبل المواطنين مباشرة سنة 2009، ومدد له البرلمان سنتين في عام 2013، وبعد انتهائها في 2015 وعدم توصل الكتل السياسية لقانون لرئيس الإقليم واستمرار الحرب على تنظيم الدولة الإسلامية، بقي بارزاني رئيسا لسنتين إداريتين بقرار قضائي ينتهي بداية الشهر المقبل.
وتصاعد التوتر بين بغداد وأربيل عقب إجراء إقليم كردستان العراق استفتاء الانفصال في 25 سبتمبر الماضي، وأطلقت القوات العراقية يوم 16 أكتوبر الجاري عملية عسكرية سيطرت خلالها على مناطق متنازع عليها مع الإقليم من ضمنها كركوك.
وفي سياق متعلق بتطورات الأزمة، قال رئيس أركان الجيش العراقي الفريق أول عثمان الغانمي إن المفاوضات التي جرت مع الوفد الكردي تمحورت حول نقطة رئيسية هي عودة قوات البشمركة الكردية إلى حدود 2003.
وأضاف الغانمي أنه تم اﻻتفاق على بعض النقاط فقط، بينما يُنتظر الرد على ما تبقى من أسئلة عالقة بعد بت القيادة الكردية فيها لاحقا.
وقال رئيس الوزراء العراقي حيدر العبادي إن حكومته مستمرة بفرض السلطة الاتحادية في المنافذ الحدودية والمناطق المتنازع عليها، وفقا للدستور العراقي، وأكد رئيس الحكومة العراقية أهمية استكمال معركة تحرير ما تبقى من المدن العراقية من براثن الإرهاب، مشيرا إلى أن الأمر يشكل أولوية لبغداد، بينما جدد الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون دعم بلاده لوحدة العراق، وذلك خلال اتصال هاتفي مع العبادي.
وبيّن العبادي أن انطلاق عمليات تحرير آخر معاقل تنظيم الدولة الإسلامية في العراق جاء لاستكمال تحرير كامل الأراضي العراقية والقضاء على العصابات الإرهابية.
من جهته، أكد ماكرون موقف بلاده الداعم لوحدة العراق والحرص على دعم جهود الحكومة العراقية للحفاظ على وحدة العراق وأمنه والسلام والحوار عبر الدستور، كما جرى خلال الاتصال بحث الحرب على الإرهاب والعمليات التي انطلقت لتحرير القائم وخطوات إعادة انتشار القوات العراقية في محافظة كركوك وبقية المناطق، والعلاقات بين البلدين والأوضاع السياسية والأمنية.
من جهة أخرى بدأت أمس جولة ثانية من المحادثات بين القوات العراقية ومقاتلي البشمركة الكردية في سبيل حل النزاع بشأن السيطرة على المعابر الحدودية في إقليم كردستان العراق، وكان رئيس الوزراء العراقي حيدر العبادي أمر الجمعة الماضي بتعليق العمليات العسكرية ضد القوات الكردية في شمال العراق لمدة أربع وعشرين ساعة، وأجرى الجانبان جولة أولى من المحادثات يومي الجمعة والسبت.
وقال العبادي إن المحادثات تهدف إلى تمهيد الطريق أمام الانتشار السلمي للقوات العراقية عند المعابر الحدودية بين كردستان العراق وتركيا وإيران وسوريا.
فصل أخير من حلم دولة كردستان
في آخر غزواته كتب الرئيس الأول لإقليم كردستان العراق نهايته، فمسعود البارزاني الذي يوصف بأنه واحد من دهاة السياسة في التاريخ الكردي، كتب الفصل الأخير من حياته السياسية بهزيمة كانت مؤلمة لأنها جاءت من بوابة حلم إقامة دولة كردستان.
والبارزاني سليل عائلة واجهت الحكومات المتعاقبة في بغداد منذ قيام العراق المعاصر، فعمه الأكبر أحمد البارزاني تمرد على سلطة الملك فيصل الأول عام 1930، ووالده الملا مصطفى البارزاني واصل بعد ذلك قيادة عشيرة البارزانيين الكبيرة في نفس الطريق، وأصبح أحد مؤسسي دولة مهاباد في إيران ووزير دفاعها عام 1946، وهناك في تلك الجمهورية الكردية اليتيمة التي دامت 11 شهرا فقط وفي نفس ذلك العام، ولد مسعود البارزاني.
وفي التاريخ الكردي يشار للبارزاني بأنه أحد آباء مشروع الحكم الذاتي الذي حصل عليه إقليم كردستان من العراق عام 1970.
خبر البارزاني السياسة وتقلباتها منذ طفولته التي عاشها في جنوب العراق منفيا وبعيدا عن والده الذي كان قد فر للاتحاد السوفياتي بعد انهيار دولة مهاباد، وانتقل البارزاني الابن وعمره 12 عاما للعيش في بغداد بعد سقوط الحكم الملكي عام 1958، وهناك وفي ذلك العام التقى والده للمرة الأولى في حياته بعد أن سمح رئيس الوزراء العراقي الراحل عبد الكريم قاسم بعودة البارزاني الأب للبلاد.
وقاد البارزاني الحزب الديمقراطي الكردستاني بعد وفاة والده عام 1979، وعرف مع زعيم حزب الاتحاد الوطني الكردستاني جلال الطالباني كأحد رأسين يقودان الأكراد العراقيين بعد حرب عام 1991.
وانتخب البارزاني كأول رئيس لإقليم كردستان عام 2005، وأعيد انتخابه عام 2009، وقرر برلمان الإقليم التمديد له عام 2013 لمدة عامين، وظل الرجل في منصبه عامين آخرين لتعذر إجراء الانتخابات في ظل استعار الحرب في العراق مع تنظيم الدولة.
وبدلا من أن يقود الأكراد نحو الاستقلال وإقامة الدولة، انتهى مشهد الاستفتاء الذي أجري نهاية الشهر الماضي بسلسلة من الانهيارات التي ضربت الحلم الكردي، وحولت صورة الرجل من بطل الاستقلال إلى موضع جدل بين الأكراد الذين بات الكثيرون منهم يحملونه مسؤولية مغامرة الانفصال . وتحول مشهد الاحتفال الذي عم مدن كردستان العراق، والمناطق التي كانت البشمركة قد سيطرت عليها منذ عام 2014، وأبرزها محافظة كركوك التي تصفها كتابات كردية بأنها قدس الأكراد إلى مشهد المركبات التي حملت عشرات الآلاف من الأكراد الذين غادروا هذه المناطق نحو الإقليم، بعد أن انسحبت البشمركة منها أمام تقدم الجيش العراقي والحشد الشعبي.
وفي عودتهم نحو كركوك، كانت الصور والعبر لدى الأكراد تلخص في بعضها صورة البارزاني.
وعلى الرغم من أن الرجل كان قد أعلن أنه لن يترشح هو أو أي من أفراد عائلته لانتخابات رئاسة الإقليم بعد انتهاء ولايته المقررة في الأول من نوفمبر فإنه أراد أن يختم حياته السياسية بقفزة سياسية تخلده أبا للدولة الكردية التي طالما حلم بها الأكراد.
لكن مصادر سياسية ترى أن هناك فيتو عراقيا مدعوما بموقف من تركيا وإيران على بقاء البارزاني، وأن بغداد وضعت شرطا غير معلن يقضي بضرورة رحيل البارزاني عن السلطة وحل رئاسة الإقليم ضمن شروطها للتطبيع.
وتشير المصادر إلى أن بغداد ترى أن تشكيل الأقاليم بالعراق لا يعني أن يكون هناك نظام رئاسي بالإقليم ويترأسه رئيس وله صلاحيات تقترب كثيرا من صلاحيات رئيس دولة، بل يكون الأمر مقتصرا على حكومة محلية، وهو ما يؤشر إلى أن بغداد ماضية في إعادة هيكلة العلاقة التي ستؤثر على أسلوب الحكم في كردستان العراق.