اتخذ بنك قطر الوطني، في تحليله الأسبوعي، موقف الوسط بين ضرورة إيجاد حافز إضافي لعودة التضخم إلى المعدل المستهدف، وبين من اعتبر ضعف التضخم ظاهرة عابرة.
وقال البنك إن المخاوف بشأن انخفاض التضخم برزت مجدداً، مشيراً إلى أن التضخم الأساسي في الاقتصادات المتقدمة ظل منخفضاً على الرغم من تحسن أسواق العمل والنمو القوي.
وفيما يرى بعض المراقبين أن هناك بعض الضعف في سوق العمل لم يتم تضمينه بشكل كامل في الإحصاءات والقياسات الرئيسية، وأن التضخم لا يُرجح له أن يعود إلى المعدل المستهدف دون وجود حافز إضافي، إلا أن البنوك المركزية نظرت إلى حد كبير لفترة التضخم الضعيف الحالية على أنها ظاهرة عابرة، وحافظت على ميلها للتشدّد.
وأشار التحليل إلى ثلاثة عوامل رئيسية تعتقد بسببها البنوك المركزية أن انخفاض التضخم ظاهرة مؤقتة:
أولاً، لقد كان التحسن في أسواق العمل في الاقتصادات المتقدمة كبيراً للغاية. وكذلك تتزايد ندرة العمالة، وهو ما يؤدي بدوره إلى زيادة القدرة على المساومة لزيادة الأجور، وهو ما يترجم تدريجياً إلى زيادة في معدّل التضخم.
وقد لوحظ ذلك جزئياً في الولايات المتحدة حيث ظل متوسط نمو الأجور أعلى من 2.5% على نحو منتظم منذ أكثر من عام.
ثانياً، تظل السياسة النقدية مواتية بشكل كبير.
ورغم بعض التشديد في الولايات المتحدة، فإن أسعار الفائدة لاتزال قريبة من أدنى مستوياتها التاريخية، كما أن عملية إزالة الدعم تجري بشكل تدريجي فقط، ما يعني أن هناك مجالاً لتحقيق مزيد من المكاسب في سوق العمل.
ثالثاً، فيما يخص الولايات المتحدة بالتحديد، فإن الموجة الحالية لانخفاض التضخم تعكس بشكل كبير تأثير عوامل تطرأ لمرة واحدة.
فقد أدت التغييرات في منهجية حساب مكونات قياس التضخم إلى جانب إدخال ضوابط جديدة إلى خفض وزن التضخم الأساسي بشكل مصطنع.
وقال تحليل البنك إن الذي يثير المخاوف بشأن انخفاض التضخم متعلق باحتمال استمرار تدني نمو الأجور.
وقد حدث هذا بشكل رئيسي خارج الولايات المتحدة رغم حدوث ركود في الأجور حتى في الولايات المتحدة منذ مطلع هذا العام.
ويُعتقد أن السبب الرئيسي وراء هذا الاتجاه هو التدهور الجاري في جودة الوظائف.
وقد كانت معظم المكاسب في سوق العمل مدفوعة جزئياً بالتوظيف بدوام مؤقت في الاقتصادات المتقدمة منذ الأزمة المالية.
وتتسم هذه الوظائف بانخفاض الأجور وبكونها غير اختيارية إلى حد كبير، مما يولد حالة من البطالة المقنعة ويقوض نوايا الإنفاق، وبالتالي يقود إلى انخفاض التضخم في نهاية الأمر.
بالإضافة إلى ذلك، قد تكون العلاقة بين انخفاض معدلات البطالة والتضخم نفسها قد تغيرت في أعقاب الأزمة المالية العالمية.
وربما يكون عدم يقين الشركات بشأن الانتعاش الاقتصادي قد دفعها لامتصاص جزء من الارتفاع في تكاليف المدخلات بدلاً من تمريره إلى المستهلكين.
وأيضاً، عانى بعض العمال الذين عادوا إلى سوق العمل من فترات طويلة من البطالة مما أدى إلى تدهور مهاراتهم.
ويُتوقع أن تكون قدرة هؤلاء العمال على المساومة منخفضة وأنهم قد يفضلون الأمن الوظيفي على الأجور المرتفعة.
من وجهة نظر البنك، فإن مكاسب سوق العمل كانت كبيرة للغاية ومتواصلة بصورة يصعب تجاهلها.
وفي حين لا تزال وظائف الدوام الجزئي غير الاختيارية عند معدلات عالية، ورغم احتمال تغيير استجابة الأسعار لتدني البطالة بعد الأزمة المالية، فإن من المرجح أن تعمل هذه التطورات على إبطاء تحول الارتفاع في الطلب إلى زيادة في التضخم وليس الحيلولة دون حدوثه بالكامل.
ومع اكتساب الانتعاش الاقتصادي لمزيد من الزخم، وفقاً لآخر البيانات المتعلقة بالنشاط في الاقتصادات المتقدمة، نتوقع أن تصبح العوامل المحفزة للتضخم أكثر قوةً وذاتية الاستدامة بشكل متزايد.