لقد أدت آثار جائحة فيروس كورونا كوفيد- 19 التي ما زالت مستمرة، إلى خسائر فادحة في قطاع الصحة وكافة القطاعات الاقتصادية الرئيسية. ويتركز اهتمام العالم في الوقت الحالي على الخسائر البشرية وكيفية توفير المرافق الصحية الضرورية لعلاج المصابين، وعلى عملية تحفيز الاقتصاد العالمي المُنْهَك.
وذكر تقرير صادر عن مؤسسة عبد الله بن حمد العطية الدولية للطاقة والتنمية المستدامة أنه والرغم من استمرار تأثير الجائحة على كافة قطاعات الاقتصاد تقريباً بما فيها الصناعات التحويلية والمالية والطاقة والسفر والسياحة والتجزئة والخدمات، إلا أن هناك قرائن تدل على أن التدابير التي يتم اتخاذها للحد من انتشار الفيروس، قد أظهرت بعض الآثار الإيجابية على البيئة على المدى القصير. ففي حين تباطأت الأنشطة التجارية بشكل كبير، وتم تعليق رحلات السفر وحركة المواصلات والتنقل اليومية في بلدان عديدة حول العالم، تعيش الأرض فترة نقاهة من الآثار البيئية الضارة التي يتسبب بها البشر.
وتشير صور الأقمار الصناعية والتقارير الصادرة من كافة أنحاء العالم إلى أن العالم يشهد مستويات أقل من التلوث. ووفقاً للبيانات التي نشرتها وكالة الفضاء الأوروبية، فإن مستوى تلوث الهواء في الصين أخذ في الانخفاض، كما تم رصد مستويات انخفاض مشابهة للانبعاثات في أوروبا بسبب التباطؤ الاقتصادي الناجم عن فيروس كوفيد- 19 .
وأكد مركز البحوث المناخية الدولية في أوسلو (CICERO) أن تلوث الهواء في أجزاء كبيرة من الصين قد انخفض بنسبة تتراوح ما بين 20 إلى 30 بالمائة بين شهري فبراير ومارس، مقارنةً بمستويات العام الماضي. ويتوقع علماء المركز أنه يمكن تجنب وقوع ما بين 50 إلى 100 ألف حالة وفاة مبكرة في الصين وحدها، إذا بقي مستوى تلوث الهواء منخفضاً لمدةٍ طويلة. إذ تثبت منظمة الصحة العالمية أن تلوث الهواء يقتل حوالي سبعة ملايين شخص في جميع أنحاء العالم سنوياً، مما يضع في الاعتبار الفوائد الصحية لانخفاض معدلات تلوث الهواء الذي يتم رصدها حالياً. أفادت التقارير الواردة من الهند أن وقف العمل التام في البلاد أدى إلى تخفيف مستويات تلوث الهواء، وبالتالي أصبح بالاستطاعة رؤية جبال الهيمالايا من على بعد أكثر من مئة ميل في ولاية البنجاب شمال الهند للمرة الأولى منذ عقود.
وتكررت نفس القصة عن انخفاض تلوث الهواء المرتبط بإجراءات الإغلاق في إسبانيا وإيطاليا والولايات المتحدة الأمريكية والمملكة المتحدة وبلدان ومدن كبرى أخرى. وأشار سكوت كوليس ، عالم الغلاف الجوي في مختبر أرجون الوطني، إلى دراساتٍ تظهر انخفاضاً في الملوثات مثل أكسيد النيتروز وأول أكسيد الكربون، في نيويورك بسبب انخفاض حركة المرور. وانخفضت مستويات التلوث في نيويورك بنسبة 50٪ تقريباً بسبب إجراءات احتواء الفيروس عما كانت عليه مقارنةً بالوقت نفسه من العام الماضي.
ووفقاً لشركة IQAir ، أصبحت لوس أنجلوس، التي عادةً ما تصنف كإحدى أسوأ مدن الولايات المتحدة من حيث جودة الهواء، إلى واحدةٍ من أنظف المدن مقارنةً بالمدن الكبرى الأخرى، حيث تتمتع حالياً بأكبر مقدار من الهواء العالي الجودة منذ عام 1995.
واستفادت الحيوانات البرية في جنوب أفريقيا من استمرار عمليات الإغلاق. ففي حديقة كروجر الوطنية الشهيرة، تم تصوير الأسود وهي تنام على قارعة الطرق الفارغة، كما شوهدت الكلاب البرية ترتع في ملاعب الغولف. وفي مدينة برشلونة الإسبانية، تم رصد الخنازير البرية تسرح في وسط المدينة بمجرد بدء الإغلاق. وأصبحت أديلايد ، إحدى أكبر المدن الأسترالية، هادئةً لدرجة أن حيوانات الكنغر شوهدت تقفز عبر شوارعها المهجورة وسط المدينة. وبدأت غزلان السيكا ، التي تعيش عادةً في حديقة نارا اليابانية، تتجول في المدن المجاورة. أما في ويلز ، فقد شوهد قطيع من الماعز الذي يقطن غريت أورم ، يتجول في بلدة لاندودنو الساحلية.
ولا شك أن الإجراءات التي تتخذها الحكومات والشعوب استجابةً للأزمة الحالية لها تأثير إيجابي على الطبيعة الأم. ويبقى السؤال، إلى متى ستستمر هذه الآثار الإيجابية على البيئة، وماذا سيحدث بمجرد انحسار الفيروس؟ هل سيسعى البشر إلى الحفاظ على الطبيعة، أم سيستأنفون بسرعة نمط الحياة المعتاد وغير المستدام ويتسببون بأضرار صحية واقتصادية مستقبلية مماثلة لتلك التي يسببها كوفيد- 19 أو حتى أسوأ؟.