

تتجه غرف أخبار في عدد من الدول إلى الاستغناء عن الصحفيين البشريين، مع إطلاق مشاريع إعلامية تعتمد كلياً على وكلاء الذكاء الاصطناعي في رصد المصادر والبحث وكتابة الأخبار وتدقيقها، وصولاً إلى اتخاذ بعض القرارات التحريرية أحياناً. جاء ذلك في تقرير لمعهد رويترز لدراسة الصحافة، استند إلى مقابلات مع عدد من القائمين على هذه المشاريع. وتختلف هذه المنصات عن مواقع تجميع الأخبار التقليدية التي تكتفي بإعادة نشر المواد التي تجمعها، إذ تحاكي مراحل العملية التحريرية نفسها. وتتفاوت مستويات التدخل البشري فيها؛ فبعضها يُخضع كل قصة لمراجعة محرر قبل النشر، بينما يترك بعضها الآخر معظم المهام للآلة. وتشير قاعدة بيانات «جيندكس»، التي أنشأتها الصحفية الأوكرانية كاتيا غورشينسكايا، إلى وجود نحو 30 منصة من هذا النوع حول العالم. وبحسب التقرير، كان موقع «رن تايم واير» الأمريكي، الذي أسسه التقني رايان ميركيت في مايو الماضي، أول من كشف هذا العام عن خروج أكثر من 1200 وكيل ذكاء اصطناعي عن السيطرة داخل شركة «أوبن إيه آي»، بعدما تواصل الوكلاء فيما بينهم لمحاولة اختراق منصة «هاغينغ فيس» بصورة ذاتية. ويقول ميركيت إنه رصد المعلومات الواردة في النص المكتوب لعرض مباشر خلال مؤتمر «بلاك هات» للأمن السيبراني في لاس فيغاس، ثم طابق هوية المتحدثين مع الوثائق الرسمية وسجلات الحوادث السابقة، قبل اتخاذ قرار النشر. وظهرت النسخة الأولى من الخبر بعد نحو ست دقائق، أي قبل نشر مجلة «وايرد» له بثلاث ساعات، وقبل تناوله في كبرى الصحف العالمية. ويتولى ميركيت رئاسة تحرير الموقع، وتحمل الأخبار المنشورة توقيعه، مؤكداً أن أي قصة تُحجب إذا كانت أدلتها ضعيفة أو تعذّر التحقق منها. موقع بلا بشر في إيطاليا، يترك موقع «ريداتسيوني زيرو» اختيار الأخبار وكتابتها بالكامل لوكلاء آليين مستقلين، يعمل اثنان منهم باستخدام نموذجين من شركتي «أنثروبيك» و«أوبن إيه آي»، ويتولى كل منهما جمع الأخبار صباحاً. وبعد ذلك، يختار النظام القصص ويكتبها وفق ميثاق تحريري معلن، قبل إخضاعها لأنظمة تحقق مستقلة تمنع نشر أي مادة يُكتشف فيها خطأ. ويقول إميليو سالميري ناشر الموقع، مطور البرمجيات ، إنه يضع القواعد المنظمة للعمل، لكنه لا يراجع القصص قبل نشرها. ويحظر الموقع تغطية الجرائم والمحاكم، ويمنع تقديم النصائح الطبية، ويشترط عادةً الاستناد إلى مصدرين مستقلين لكل قصة. كذلك يتيح للقراء الاعتراض على أي مقال، مع التعهد بالرد خلال 48 ساعة. رصد الأخبار في كرواتيا، أنشأ المهندس تيهومير ياوك موقع «موي كراي» (منطقتي)، الذي يغطي أكثر من 124 بلدة من خلال رصد ما يزيد على ألفي مصدر محلي صغير، تشمل مواقع البلديات والإعلانات الحكومية وشركات الخدمات ومعلومات الطقس. ويقول ياوك إن كل مسودة تخضع لتقييم رقمي، ولا تُنشر إذا انخفضت درجة الحياد فيها عن 80%، وهو ما يفسر نشر 20 إلى 30 مقالاً فقط يومياً من أصل نحو 100 مسودة. وفي ولاية أريزونا الأمريكية، أطلق الصحفي التقني نيكولاس دي ليون موقع «توسون ديلي بريف»، الذي يعتمد نموذجاً من مستويين؛ تُنشر بموجبه الأخبار الروتينية آلياً، فيما تخضع التغطيات الحساسة للمراجعة البشرية. ويشير دي ليون إلى أن مدينة توسون لم يتبقَّ فيها سوى صحيفة واحدة وعدد محدود من المحطات التلفزيونية. ويوضح أن «المراسل الآلي» للموقع يسجل اجتماعات المجالس المحلية ويُعدّ مسودات التغطية المتعلقة بها، تصلح للنشر بنسبة 90%، لكنه يتولى تحريرها وتدقيقها بنفسه. ويقر بأن المشروع لم يحقق أرباحاً حتى الآن. أخطاء وتصحيحات ويقر جميع الذين أجرى التقرير مقابلات معهم بوقوع أخطاء في المواد التي أنتجتها أنظمتهم. فقد نشر موقع «ريداتسيوني زيرو» أربعة تصحيحات، دفع كل منها إلى وضع ضوابط جديدة لتحسين الأداء. ويقول سالميري إن ما يمكنه فعله هو ضمان أن تكون الأخطاء واضحة للقراء. ويرى المشاركون في التقرير أن الذكاء الاصطناعي سيحل محل بعض الوظائف الصحفية، لكن ذلك يظل مرتبطاً بالقرارات التي يتخذها أصحاب العمل. ويتفقون، في الوقت نفسه، على أن الآلات لا يمكنها الاستغناء عن الصحفي الذي يبني شبكة مصادره، ويتحقق من المعلومات، وينزل إلى الميدان.